تفسير الميزان ج٤
116يتضمن إسقاط التوحيد و كرائم الأخلاق من مجموعة النواميس الدينية فيه إرجاع للغاية الدينية التي هي كلمة التوحيد إلى الغاية المدنية التي هي التمتع، و قد عرفت أنهما غايتان مختلفتان لا ترجع إحداهما إلى الأخرى لا في أصلها و لا في فروعها و ثمراتها.
٩ ما معنى الحرية في الإسلام؟
كلمة الحرية على ما يراد بها من المعنى لا يتجاوز عمرها في دورانها على الألسن عدة قرون و لعل السبب المبتدع لها هي النهضة المدنية الأوربية قبل بضعة قرون لكن معناها كان جائيا في الأذهان و أمنية من أماني القلوب منذ أعصار قديمة.
و الأصل الطبيعي التكويني الذي ينتشي منه هذا المعنى هو ما تجهز به الإنسان في وجوده من الإرادة الباعثة إياه على العمل فإنها حالة نفسية في إبطالها إبطال الحس و الشعور المنجر إلى إبطال الإنسانية.
غير أن الإنسان لما كان موجودا اجتماعيا تسوقه طبيعته إلى الحياة في المجتمع و إلقاء دلوه في الدلاء بإدخال إرادته في الإرادات و فعله في الأفعال المنجر إلى الخضوع لقانون يعدل الإرادات و الأعمال بوضع حدود لها فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادة و العمل هي بعينها تحدد الإرادة و العمل و تقيد ذلك الإطلاق الابتدائي و الحرية الأولية.
و القوانين المدنية الحاضرة لما وضعت بناء أحكامها على أساس التمتع المادي كما عرفت أنتج ذلك حرية الأمة في أمر المعارف الأصلية الدينية من حيث الالتزام بها و بلوازمها، و في أمر الأخلاق و في ما وراء القوانين من كل ما يريده و يختاره الإنسان من الإرادات و الأعمال فهذا هو المراد بالحرية عندهم.
و أما الإسلام فقد وضع قانونه على أساس التوحيد كما عرفت ثم في المرتبة التالية على أساس الأخلاق الفاضلة ثم تعرضت لكل يسير و خطير من الأعمال الفردية و الاجتماعية كائنة ما كانت فلا شيء مما يتعلق بالإنسان أو يتعلق به الإنسان إلا و للشرع الإسلامي فيه قدم أو أثر قدم فلا مجال و لا مظهر للحرية بالمعنى المتقدم فيه.
نعم للإنسان فيه الحرية عن قيد عبودية غير الله سبحانه و هذا و إن كان لا يزيد على كلمة واحدة غير أنه وسيع المعنى عند من بحث بحث تعمق في السنة الإسلامية

