تفسير الميزان ج٤
115السابقة من هذا الكتاب، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ}: الروم: ٣٠.
و حاصلة: أن سلسلة الأسباب الواقعية التكوينية تعاضدت على إيجاد النوع الإنساني في ذيلها و توفرت على سوقه نحو الغاية الحيوية التي هيئت له فيجب له أن يبني حياته في ظرف الكدح و الاختيار على موافقة الأسباب فيما تريد منه و تسوقه إليه حتى لا تناقضها حياته فيؤديه ذلك إلى الهلاك و الشقاء و هذا (لو تفهمه المتوهم) هو الدين الإسلامي بعينه و لما كان هناك فوق الأسباب سبب وحيد هو الموجد لها المدبر لأمرها فيما دق و جل و هو الله سبحانه الذي هو السبب التام فوق كل سبب بتمام معنى الكلمة كان الواجب على الإنسان الإسلام له و الخضوع لأمره و هذا معنى كون التوحيد هو الأساس الوحيد للدين الإسلامي.
و من هنا يظهر أن حفظ كلمة التوحيد و الإسلام لله و ابتغاء وجهه في الحياة جرى على موافقة الأسباب طرا و إعطاء كل ذي حق منها حقه من غير شرك و لا غفلة فعند المرء المسلم غايات و أغراض دنيوية و أخرى أخروية و له مقاصد مادية و أخرى معنوية لكنه لا يعتنى في أمرها بأزيد مما ينبغي من الاعتناء و الاهتمام و لذلك بعينه نرى أن الإسلام يندب إلى توحيد الله سبحانه و الانقطاع إليه و الإخلاص له و الإعراض عن كل سبب دونه و مبتغي غيره و مع ذلك يأمر الناس باتباع نواميس الحياة و الجري على المجاري الطبيعية.
و من هنا يظهر أن أفراد المجتمع الإسلامي هم السعداء بحقيقة السعادة في الدنيا و في الآخرة و أن غايتهم و هو ابتغاء وجه الله في الأعمال لا تزاحم سائر الغايات الحيوية إذا ظهرت و استوثرت.
و من هنا يظهر أيضا فساد توهم آخر و هو الذي ذكره جمع من علماء الاجتماع من الباحثين أن حقيقة الدين و الغرض الأصلي منه هو إقامة العدالة الاجتماعية و العباديات فروع متفرعة عليها فالذي يقيمها فهو على الدين و لو لم يتلبس بعقيدة و لا عبودية.
و الباحث المتدبر في الكتاب و السنة و خاصة في السيرة النبوية لا يحتاج في الوقوف على بطلان هذا التوهم إلى مئونة زائدة و تكلف استدلال على أن هذا الكلام الذي

