تفسير الميزان ج٤
114على الناس شخصه، و يعتذر كل من يتثبط و يتثاقل في إقامة الحق و الثورة على أعدائه و يداهنهم بأن القيام على الحق يذلله بين الناس، و يضحك منه الدنيا الحاضرة، و يعدونه من بقايا القرون الوسطى أو أعصار الأساطير فإن ذكرته بشرافة النفس و طهارة الباطن رد عليك قائلا: ما أصنع بشرافة النفس إذا جرت إلى نكد العيش و ذلة الحياة هذا.
و أما المنطق الآخر و هو منطق الإسلام فهو يبني أساسه على اتباع الحق و ابتغاء الأجر و الجزاء من الله سبحانه و إنما يتعلق الغرض بالغايات و المقاصد الدنيوية في المرتبة التالية و بالقصد الثاني، و من المعلوم أنه لا يشذ عن شموله مورد من الموارد، و لا يسقط كليته من العموم و الاطراد، فالعمل أعم من الفعل و الترك إنما يقع لوجهه تعالى و إسلاما له و اتباعا للحق الذي أراده و هو الحفيظ العليم الذي لا تأخذه سنة و لا نوم، و لا عاصم منه و لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السماء و الله بما تعملون خبير.
فعلى كل نفس فيما وردت مورد عمل أو صدرت، رقيب شهيد قائم بما كسبت، سواء شهده الناس أو لا، حمدوه أو لا، قدروا فيه على شيء أو لا.
و قد بلغ من حسن تأثير التربية الإسلامية أن الناس كانوا يأتون رسول الله ص فيعترفون عنده بجرائمهم و جناياتهم بالتوبة و يذوقون مر الحدود التي تقام عليهم (القتل فما دونه) ابتغاء رضوان الله و تطهيرا لأنفسهم من قذارة الذنوب و درن السيئات، و بالتأمل في هذه النوادر الواقعة يمكن للباحث أن ينتقل إلى عجيب تأثير البيان الديني في نفوس الناس و تعويده لهم السماحة في ألذ الأشياء و أعزها عندهم و هي الحياة و ما في تلوها و لو لا أن البحث قرآني لأوردنا طرفا من الأمثلة التاريخية فيه.
٨ ما معنى ابتغاء الأجر عند الله و الإعراض عن غيره؟
ربما يتوهم المتوهم أن جعل الأجر الأخروي و هو الغرض العام في حياة الإنسان الاجتماعية يوجب سقوط الأغراض الحيوية التي تدعو إليه البنية الطبيعية الإنسانية و فيه فساد نظام الاجتماع، و الانحطاط إلى منحط الرهبانية، و كيف يمكن الانقطاع إلى مقصد من المقاصد مع التحفظ على المقاصد المهمة الأخرى؟ و هل هذا إلا تناقض؟
لكنه توهم ناش من الجهل بالحكمة الإلهية و الأسرار التي تكشف عنها المعارف القرآنية فإن الإسلام يبني تشريعه على أصل التكوين كما مر ذكره مرارا في المباحث

