تفسير الميزان ج٤
106أو القومية أن يتفكروا تفكرا اجتماعيا كاليهود و الأعراب و عدة من الأمم السالفة فتراه يؤاخذ اللاحقين بذنوب السابقين، و يعاتب الحاضرين و يوبخهم بأعمال الغائبين و الماضين كل ذلك لأنه القضاء الحق فيمن يتفكر فكرا اجتماعيا، و في القرآن الكريم من هذا الباب آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها.
نعم مقتضى الأخذ بالنصفة أن لا يضطهد حق الصالحين من الأفراد بذلك إن وجدوا في مجتمع واحد فإنهم و إن عاشوا بينهم و اختلطوا بهم إلا أن قلوبهم غير متقذرة بالفكر الفاسد و المرض المتبطن الفاشي في مثل هذا المجتمع، و أشخاصهم كالأجزاء الزائدة في هيكله و بنيته، و هكذا فعل القرآن في آيات العتاب العام فاستثنى الصلحاء و الأبرار.
و يتبين مما ذكرنا أن القضاء بالصلاح و الطلاح على أفراد المجتمعات المتمدنة الراقية على خلاف أفراد الأمم الأخرى لا ينبغي أن يبنى على ما يظهر من معاشرتهم و مخالطتهم فيما بينهم و عيشتهم الداخلية بل بالبناء على شخصيتهم الاجتماعية البارزة في مماستها و مصاكتها سائر الأمم الضعيفة و مخالطتها الحيوية سائر الشخصيات الاجتماعية في العالم.
فهذه هي التي يجب أن تراعى و تعتبر في القضاء بصلاح المجتمع و طلاحه و سعادته و شقائه و على هذا المجرى يجب أن يجري باحثونا ثم إن شاءوا فليستعجبوا و إن شاءوا فليتعجبوا.
و لعمري لو طالع المطالع المتأمل تاريخ حياتهم الاجتماعية من لدن النهضة الحديثة الأوربية و تعمق فيما عاملوا به غيرهم من الأمم و الأجيال المسكينة الضعيفة لم يلبث دون أن يرى أن هذه المجتمعات التي يظهرون أنهم امتلئوا رأفة و نصحا للبشر يفدون بالدماء و الأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع و إعطاء الحرية و الأخذ بيد المظلوم المهضوم حقا و إلغاء سنة الاسترقاق و الأسر يرى أنهم لا هم لهم إلا استعباد الأمم الضعيفة مساكين الأرض ما وجدوا إليه سبيلا بما وجدوا إليه من سبيل فيوما بالقهر، و يوما بالاستعمار، و يوما بالاستملاك، و يوما بالقيمومة، و يوما باسم حفظ المنافع المشتركة، و يوما باسم الإعانة على حفظ الاستقلال، و يوما باسم حفظ الصلح و دفع ما يهدده، و يوما باسم الدفاع عن حقوق الطبقات المستأصلة المحرومة و يوما... و يوما...

