تفسير الميزان ج٤
8أنفسهم لم يكن لهم إلا الذلة.
على أن واجهة حال المؤمنين أيضا يوم بدر كانت تقضي بكونهم أذلة قبال ما كان عليه المشركون من القوة و الشوكة و الزينة، و لا ضير في إضافة الذلة النسبية إلى الأعزة و قد أضافها الله سبحانه إلى قوم مدحهم كل المدح حيث قال: {فَسَوْفَ يَأْتِي اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ} (الآية) «المائدة: ٥٤».
قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ} الإمداد من المد و هو إيصال المدد على نعت الاتصال.
قوله تعالى: {بَلىَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} بلى كلمة تصديق و الفور و الفوران: الغليان يقال: فار القدر إذا غلا و جاش، ثم أستعير للسرعة و العجلة فاستعمل في الأمر الذي لا ريث فيه و لا مهلة فمعنى من فورهم هذا من ساعتهم هذه.
و الظاهر أن مصداق الآية هو يوم بدر، و إنما هو وعد على الشرط و هو ما يتضمنه قوله: {إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا}.
و أما ما يظهر من بعض المفسرين أنه وعد بإنزال الملائكة إن جاءوهم بعد فورهم هذا يعني يوم بدر بأن يكون المراد {مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} هو يوم بدر لا في يوم بدر، و كذا ما يظهر من بعض آخر أنه وعد بإنزالهم في سائر الغزوات بعد بدر كأحد و حنين و الأحزاب فمما لا دليل عليه من لفظ الآية.
أما يوم أحد فلا محل لاستفادة نزول الملائكة فيه من الآيات و هو ظاهر، و أما يوم الأحزاب و يوم حنين فالقرآن و إن كان يصرح بنزول الملائكة فيهما فقد قال في قصة الأحزاب: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا}: «الأحزاب: ٩» و قال: {وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ}«إلى أن قال»: {وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا}: «التوبة: ٢٦» إلا أن لفظ هذه الآية: {بَلىَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا وَ يَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} قاصر عن إفادة عموم الوعد.
و أما نزول ثلاثة آلاف يوم بدر فلا ينافي قوله تعالى في سورة الأنفال: {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ}: «الأنفال: ٩» لمكان قوله: {مُرْدِفِينَ} أي متبعين لآخرين و هم الألفان الباقيان المكملان للعدد على ما ذكر في هذه الآيات.

