تفسير الميزان ج٤
7الفشل؟ فجميع من هناك كان يخطر ببالهم ذلك، و لا معنى لذكر مثل ذلك في القصة قطعا، و لا يسمى ذلك هما في اللغة، أم تصورا معه شيء من التصديق، و خطورا فيه شوب قصد؟ كما يدل عليه ظهور حالهما عند غيرهما، و لو كان مجرد خطور من غير أي أثر لم يظهر أنهما همتا بالفشل، على أن ذكر ولاية الله لهم و وجوب التوكل على المؤمن إنما يلائم هذا الهم دون مجرد الخطور، على أن قوله: {وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا}، ليس مدحا بل لوم و عظة على ما يعطيه السياق كما مر.
و لعل منشأ هذا الكلام ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: فينا نزلت، و ما أحب أنها لم تكن، لقوله: {وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ففهم من الرواية أن جابرا فهم من الآية المدح.
و لو صحت الرواية فإنما يريد جابر أن الله تعالى قبل إيمانهم و صدق كونهم مؤمنين حيث عد نفسه وليا لهم، و الله ولي الذين آمنوا و الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، لا أن الجملة واقعة موقع المدح في هذا السياق الظاهر في العتاب.
قوله تعالى: {وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} إلى آخر الآية ظاهر السياق أن تكون الآية مسوقة سوق الشاهد لتتميم العتاب و تأكيده فتكون تؤدي معنى الحال كقوله: {وَ اَللَّهُ وَلِيُّهُمَا}، و المعنى: و ما كان ينبغي أن يظهر منكم الهم بالفشل و قد نصركم الله ببدر و أنتم أذلة، و ليس من البعيد أن يكون كلاما مستقلا سيق مساق الامتنان بذكر نصر عجيب من الله بإنزال الملائكة لإمدادهم و نصرهم يوم بدر.
و لما ذكر تعالى نصره إياهم يوم بدر و قابل ذلك بما هم عليه من الحال و من المعلوم أن كل من اعتز فإنما يعتز بنصر الله و عونه فليس للإنسان من قبل نفسه إلا الفقر و الذلة و لذلك قال: {وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}.
و من هنا يعلم أن قوله: {وَ أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ} لا ينافي أمثال قوله تعالى: {وَ لِلَّهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ}: المنافقون: ٨ فإن عزتهم إنما هي بعزة الله، قال تعالى: {فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} النساء: ١٣٩ و ذلك بنصر الله المؤمنين كما قال تعالى: {وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلىَ قَوْمِهِمْ فَجَاؤُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ} الروم: ٤٧ فإذا كان الحال هذا الحال فلو اعتبر حال المؤمنين من حيث

