تفسير الميزان ج٤
341و الذي يراه الإسلام لقطع منابت هذا الفساد أن حرر الناس في جميع ما يهديهم إليه الفطرة الإنسانية، ثم قرب ما بين الطبقتين برفع مستوى حياة الفقراء بما وضع من الضرائب المالية و نحوها، و خفض مستوى حياة الأغنياء بالمنع عن الإسراف و التبذير و التظاهر بما يبعدهم من حاق الوسط، و تعديل ذلك بالتوحيد و الأخلاق، و صرف الوجوه عن المزايا المادية إلى كرامة التقوى و ابتغاء ما عند الله من الفضل.
و هو الذي يشير إليه قوله تعالى: {وَ سْئَلُوا اَللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} (الآية)، و قوله: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ}: «الحجرات: ١٣»، و قوله: {فَفِرُّوا إِلَى اَللَّهِ}: «الذاريات: ٥٠»، و قد بينا فيما تقدم أن صرف وجوه الناس إلى الله سبحانه يستتبع اعتناءهم بأمر الأسباب الحقيقية الواقعية في تحري مقاصدهم الحيوية من غير أن يستتبع البطالة في اكتساب معيشة أو الكسل في ابتغاء سعادة فليس قول القائل: إن الإسلام دين البطالة و الخمود عن ابتغاء المقاصد الحيوية الإنسانية إلا رمية من غير مرمى جهلا، هذا ملخص القول في هذا المقصد، و قد تكرر الكلام في أطرافه تفصيلا فيما تقدم من مختلف المباحث من هذا الكتاب.
(بيان)
قوله تعالى: {وَ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ} (الآية)، الموالي جمع مولى، و هو الولي و إن كثر استعماله في بعض المصاديق من الولاية كالمولى لسيد العبد لولايته عليه، و المولى للناصر لولايته على أمر المنصور، و المولى لابن العم لولايته على نكاح بنت عمه، و لا يبعد أن يكون في الأصل مصدرا ميميا أو اسم مكان أريد به الشخص المتلبس به بوجه كما نطلق اليوم الحكومة و المحكمة و نريد بهما الحاكم.
و العقد مقابل الحل، و اليمين مقابل اليسار، و اليمين اليد اليمنى، و اليمين الحلف و له غير ذلك من المعاني.
و وقوع الآية مع قوله قبل: {وَ لاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اَللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ}، في سياق واحد، و اشتمالها على التوصية بإعطاء كل ذي نصيب نصيبه، و أن الله جعل لكل موالي مما ترك الوالدان و الأقربون يؤيد أن تكون الآية أعني قوله: {وَ لِكُلٍّ جَعَلْنَا} إلخ بضميمة الآية السابقة تلخيصا للأحكام و الأوامر التي في آيات الإرث، و وصية إجمالية لما فيها من الشرائع التفصيلية كما كان قوله قبل آيات الإرث: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ} (الآية) تشريعا إجماليا كضرب القاعدة في باب الإرث تعود إليه تفاصيل أحكام الإرث.

