تفسير الميزان ج٤
338بعمل اختياري كالطلب و نحوه لكنهم ذكروا أن الأصل في معنى الكسب هو الجمع، و ربما جاز أن يقال: اكتسب فلان بجماله الشهرة و نحو ذلك، و فسر الاكتساب في الآية بذلك بعض المفسرين، و ليس من البعيد أن يكون الاكتساب في الآية مستعملا فيما ذكر من المعنى على سبيل التشبيه و الاستعارة.
و أما كون المراد من الاكتساب في الآية ما يتحراه الإنسان بعمله، و يكون المعنى: للرجال نصيب مما استفادوه لأنفسهم من المال بعملهم و كذا النساء و يكون النهي عن التمني نهيا عن تمني ما بيد الناس من المال الذي استفادوه بصنعة أو حرفة فهو و إن كان معنى صحيحا في نفسه لكنه يوجب تضييق دائرة معنى الآية، و انقطاع رابطتها مع ما تقدم من آيات الإرث و النكاح.
و كيف كان فمعنى الآية على ما تقدم من المعنى: و لا تتمنوا الفضل و المزية المالي و غير المالي الذي خص الله تعالى به أحد القبيلين من الرجال و النساء ففضل به بعضكم على بعض فإن ذلك الفضل أمر خص به من خص به لأنه أحرزه بنفسيته في المجتمع الإنساني أو بعمل يده بتجارة و نحوها، و له منه نصيب، و إنما ينال كل نصيبه مما اكتسبه.
قوله تعالى: {وَ سْئَلُوا اَللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ}، الإنعام على الغير بشيء مما عند المنعم لما كان غالبا بما هو زائد لا حاجة للمنعم إليه سمي فضلا، و لما صرف الله تعالى وجوه الناس عن العناية بما أوتي أرباب الفضل من الفضل و الرغبة فيه، و كان حب المزايا الحيوية بل التفرد بها و التقدم فيها و الاستعلاء من فطريات الإنسان لا يسلب عنه حينا صرفهم تعالى إلى نفسه، و وجه وجوههم نحو فضله، و أمرهم أن يعرضوا عما في أيدي الناس، و يقبلوا إلى جنابه، و يسألوا من فضله فإن الفضل بيد الله، و هو الذي أعطى كل ذي فضل فضله فله أن يعطيكم ما تزيدون به و تفضلون بذلك على غيركم ممن ترغبون فيما عنده، و تتمنون ما أعطيه.
و قد أبهم هذا الفضل الذي يجب أن يسأل منه بدخول لفظة {مِنْ} عليه، و فيه من الفائدة أولا التعليم بأدب الدعاء و المسألة من جنابه تعالى فإن الأليق بالإنسان المبني على الجهل بما ينفعه و يضره بحسب الواقع إذا سأل ربه العالم بحقيقة ما ينفع خلقه و ما يضرهم، القادر على كل شيء أن يسأله الخير فيما تتوق نفسه إليه، و لا يطنب في تشخيص ما يسأله منه و تعيين الطريق إلى وصوله، فكثيرا ما رأينا من كانت تتوق نفسه إلى حاجة من الحوائج الخاصة كمال أو ولد أو جاه و منزلة أو صحة و عافية و كان

