تفسير الميزان ج٤
329يعادل ظلمة الذنب من نور الطاعة، و يبقى الباقي من نورها و صفائها تتنور و تصفو به النفس، و هذا معنى التحابط، و هو بعينه معنى غفران الذنوب الصغيرة و تكفير السيئات، و هذا النوع من المعاصي هي المعاصي الصغيرة.
و أما تكافؤ السيئة و الحسنة بما لهما من العقاب و الثواب فهو و إن كان مما يحتمله العقل في بادي النظر، و لازمه صحة فرض إنسان أعزل لا طاعة له و لا معصية، و لا نور لنفسه و لا ظلمة لكن يبطله قوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي اَلْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي اَلسَّعِيرِ}. انتهى ملخصا.
و قد رده الرازي بأنه يبتني على أصول المعتزلة الباطلة عندنا، و شدد النكير على الرازي في المنار قائلا:
و إذا كان هذا (يعني انقسام المعصية إلى الصغيرة و الكبيرة في نفسها) صريحا في القرآن فهل يعقل أن يصح عن ابن عباس إنكاره؟ لا بل روى عبد الرزاق عنه أنه قيل له: هل الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى السبعين أقرب، و روى ابن جبير: أنه قال: هي إلى السبعمائة أقرب، و إنما عزي القول بإنكار تقسيم الذنوب إلى صغائر و كبائر إلى الأشعرية.
و كأن القائلين بذلك منهم أرادوا أن يخالفوا به المعتزلة و لو بالتأويل كما يعلم من كلام ابن فورك فإنه صحح كلام الأشعرية و قال: معاصي الله كلها كبائر، و إنما يقال لبعضها: صغيرة و كبيرة بإضافة۱، و قالت المعتزلة: الذنوب على ضربين: صغائر و كبائر، و هذا ليس بصحيح انتهى، و أول الآية تأويلا بعيدا.
و هل يئول الآيات و الأحاديث لأجل أن يخالف المعتزلة و لو فيما أصابوا فيه؟ لا يبعد ذلك فإن التعصب للمذاهب هو الذي صرف كثيرا من العلماء الأزكياء عن إفادة أنفسهم و أمتهم بفطنتهم، و جعل كتبهم فتنة للمسلمين اشتغلوا بالجدل فيها عن حقيقة الدين، و سترى ما ينقله الرازي عن الغزالي، و يرده لأجل ذلك، و أين الرازي من الغزالي، و أين معاوية من علي. انتهى. و يشير في آخر كلامه إلى ما نقلناه عن الغزالي و الرازي.
- أي الإضافة بحسب قصود المعاصي المختلفة لا إضافة بعض المعاصي إلى بعضها في نفسها.

