تفسير الميزان ج٤
326و مما تقدم من الكلام يظهر حال سائر ما قيل في معنى الكبائر، و هي كثيرة: منها ما قيل: إن الكبيرة كل ما أوعد الله عليه في الآخرة عقابا و وضع له في الدنيا حدا. و فيه أن الإصرار على الصغيرة كبيرة لقول النبي (صلى الله عليه وآله و سلم): لا كبيرة مع الاستغفار، و لا صغيرة مع الإصرار. رواه الفريقان مع عدم وضع حد فيه شرعا، و كذا ولاية الكفار و أكل الربا مع أنهما من كبائر ما نهي عنه في القرآن.
و منها قول بعضهم: إن الكبيرة كل ما أوعد الله عليه بالنار في القرآن، و ربما أضاف إليه بعضهم السنة. و فيه أنه لا دليل على انعكاسه كليا.
و منها قول بعضهم: إنها كل ما يشعر بالاستهانة بالدين و عدم الاكتراث به قال به إمام الحرمين و استحسنه الرازي. و فيه أنه عنوان الطغيان و الاعتداء و هي إحدى الكبائر و هناك ذنوب كبيرة موبقة و إن لم تقترف بهذا العنوان كأكل مال اليتيم و زنا المحارم و قتل النفس المؤمنة من غير حق.
و منها قول بعضهم: إن الكبيرة ما حرمت لنفسها لا لعارض، و هذا كالمقابل للقول السابق. و فيه أن الطغيان و الاستهانة و نحو ذلك من أكبر الكبائر و هي عناوين طارية، و بطروها على معصية و عروضها لها تصير من الكبائر الموبقة.
و منها قول بعضهم: إن الكبائر ما اشتملت عليه آيات سورة النساء من أول السورة إلى تمام ثلاثين آية، و كان المراد أن قوله: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} (الآية) إشارة إلى المعاصي المبينة في الآيات السابقة عليه كقطيعة الرحم و أكل مال اليتيم و الزنا و نحو ذلك. و فيه أنه ينافي إطلاق الآية.
و منها قول بعضهم (و ينسب إلى ابن عباس): كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، و لعله لكون مخالفته تعالى أمرا عظيما، و فيه أنك قد عرفت أن انقسام المعصية إلى الكبيرة و الصغيرة إنما هو بقياس بعضها إلى بعض، و هذا الذي ذكره مبني على قياس حال الإنسان في مخالفته و هو عبد إلى الله سبحانه و هو رب كل شيء و من الممكن أن يميل إلى هذا القول بعضهم بتوهم كون الإضافة في قوله تعالى: {كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}، بيانية لكنه فاسد لرجوع معنى الآية حينئذ إلى قولنا: إن تجتنبوا المعاصي جميعا نكفر عنكم سيئاتكم و لا سيئة مع اجتناب المعاصي، و إن أريد تكفير

