تفسير الميزان ج٤
323[سورة النساء (٤): آیة ٣۱]
{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ٣١}
(بيان)
الآية غير عادمة الارتباط بما قبلها فإن فيما قبلها ذكرا من المعاصي الكبيرة.
قوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} إلى قوله: {سَيِّئَاتِكُمْ} الاجتناب أصله من الجنب و هو الجارحة بني منها الفعل على الاستعارة، فإن الإنسان إذا أراد شيئا استقبله بوجهه و مقاديم بدنه، و إذا أعرض عنه و تركه وليه بجنبه فاجتنبه، فالاجتناب هو الترك، قال الراغب: و هو أبلغ من الترك، انتهى، و ليس إلا لأنه مبني على الاستعارة، و من هذا الباب الجانب و الجنيبة و الأجنبي.
و التكفير من الكفر و هو الستر و قد شاع استعماله في القرآن في العفو عن السيئات و الكبائر جمع كبيرة وصف وضع موضع الموصوف كالمعاصي و نحوها، و الكبر معنى إضافي لا يتحقق إلا بالقياس إلى صغر، و من هنا كان المستفاد من قوله: {كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ} أن هناك من المعاصي المنهي عنها ما هي صغيرة، فيتبين من الآية: أولا: أن المعاصي قسمان: صغيرة و كبيرة، و ثانيا: أن السيئات في الآية هي الصغائر لما فيها من دلالة المقابلة على ذلك.
نعم العصيان و التمرد كيفما كان كبير و أمر عظيم بالنظر إلى ضعف المخلوق المربوب في جنب الله عظم سلطانه غير أن القياس في هذا الاعتبار إنما هو بين الإنسان و ربه لا بين معصية و معصية فلا منافاة بين كون كل معصية كبيرة باعتبار و بين كون بعض المعاصي صغيرة باعتبار آخر.
و كبر المعصية إنما يتحقق بأهمية النهي عنها إذا قيس إلى النهي المتعلق بغيرها و لا يخلو قوله تعالى: {مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ}، من إشعار أو دلالة على ذلك، و الدليل على أهمية النهي تشديد الخطاب بإصرار فيه أو تهديد بعذاب من النار و نحو ذلك.

