تفسير الميزان ج٤
320و هو خطأ فإنه على تقدير صحته نكتة للاستثناء المتصل لا الاستثناء المنقطع، على أن هذه المعنويات من الحقائق إنما يصح أن يذكر لمثل قوله تعالى: {وَ مَا هَذِهِ اَلْحَيَاةُ اَلدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ اَلدَّارَ اَلْآخِرَةَ لَهِيَ اَلْحَيَوَانُ}: العنكبوت: ٦٤» و قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مَا عِنْدَ اَللَّهِ بَاقٍ}: النحل: ٩٦، و قوله تعالى: {قُلْ مَا عِنْدَ اَللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجَارَةِ}: الجمعة: ١١، و أما ما نحن فيه فجريان هذه النكتة توجب تشريع الباطل، و يجل القرآن عن الترخيص في الباطل بأي وجه كان.
قوله تعالى: {وَ لاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ظاهر الجملة أنها نهي عن قتل الإنسان نفسه لكن مقارنتها قوله: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ}، حيث إن ظاهره أخذ مجموع المؤمنين كنفس واحدة لها مال يجب أن تأكلها من غير طريق الباطل ربما أشعرت أو دلت على أن المراد بالأنفس جميع نفوس المجتمع الديني المأخوذة كنفس واحدة نفس كل بعض هي نفس الآخر فيكون في مثل هذا المجتمع نفس الإنسان نفسه و نفس غيره أيضا نفسه فلو قتل نفسه أو غيره فقد قتل نفسه، و بهذه العناية تكون الجملة أعني قوله: {وَ لاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} مطلقة تشمل الانتحار الذي هو قتل الإنسان نفسه و قتل الإنسان غيره من المؤمنين.
و ربما أمكن أن يستفاد من ذيل الآية أعني قوله: {إِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} أن المراد من قتل النفس المنهي عنه ما يشمل إلقاء الإنسان نفسه في مخاطرة القتل و التسبيب إلى هلاك نفسه المؤدي إلى قتله، و ذلك أن تعليل النهي عن قتل النفس بالرحمة لهذا المعنى أوفق و أنسب كما لا يخفى، و يزيد على هذا معنى الآية عموما و اتساعا، و هذه الملاءمة بعينها تؤيد كون قوله: {إِنَّ اَللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} تعليلا لقوله: {وَ لاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} فقط.
قوله تعالى: {وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَ ظُلْماً} (الآية) العدوان مطلق التجاوز سواء كان جائزا ممدوحا أو محظورا مذموما قال تعالى: {فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى اَلظَّالِمِينَ}: البقرة: ١٩٣، و قال تعالى: {وَ تَعَاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوىَ وَ لاَ تَعَاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوَانِ}: المائدة: ٢، فهو أعم موردا من الظلم، و معناه في الآية تعدي الحدود التي حدها الله تعالى، و الإصلاء بالنار الإحراق بها.
و في الآية من حيث اشتمالها على قوله: {ذَلِكَ} التفات عن خطاب المؤمنين إلى

