تفسير الميزان ج٤
311بحث علمي كلام في معنى الابن شرعا
رابطة النسب و هي الرابطة التي تربط الفرد من الإنسان بالفرد الآخر من جهة الولادة و جامع الرحم هي في الأصل رابطة طبيعية تكوينية تكون الشعوب و القبائل، و تحمل الخصال المنبعثة عن الدم فتسريها حسب تسرية الدم، و هي المبدأ للآداب و الرسوم و السنن القومية بما تختلط و تمتزج بسائر الأسباب و العلل المؤثرة.
و للمجتمعات الإنسانية المترقية و غير المترقية نوع اعتناء بها في السنن و القوانين الاجتماعية في الجملة: في نكاح و إرث و غير ذلك، و هم مع ذلك لا يزالون يتصرفون في هذه الرابطة النسبية توسعة و تضييقا بحسب المصالح المنبعثة عن خصوصيات مجتمعهم كما سمعت في المباحث السابقة أن غالب الأمم السالفة كانوا لا يرون للمرأة قرابة رسما و كانوا يرون قرابة الدعي و بنوته، و كما أن الإسلام ينفي القرابة بين الكافر المحارب و المسلم، و يلحق الولد للفراش و غير ذلك.
و لما اعتبر الإسلام للنساء القرابة بما أعطاهن من الشركة التامة في الأموال، و الحرية التامة في الإرادة و العمل على ما سمعت في المباحث السابقة، و صار بذلك الابن و البنت في درجة واحدة من القرابة و الرحم الرسمي، و كذلك الأب و الأم، و الأخ و الأخت، و الجد و الجدة، و العم و العمة، و الخال و الخالة، صار عمود النسب الرسمي متنزلا من ناحية البنات كما كان يتنزل من ناحية البنين، فصار ابن البنت ابنا للإنسان كبنوة ابن الابن و هكذا ما نزل، و كذا صار بنت الابن و بنت البنت بنتين للإنسان على حد سواء، و على ذلك جرت الأحكام في المناكح و المواريث، و قد عرفت فيما تقدم أن آية التحريم {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ} (الآية) دالة على ذلك.
و قد قصر السلف من باحثينا في هذه المسألة و أشباهها (و هي مسألة اجتماعية و حقوقية) فحسبوها مسألة لغوية يستراح فيها إلى قضاء اللغة، فاشتد النزاع بينهم فيما وضع له لفظ الابن مثلا، فمن معمم و من مخصص، و كل ذلك من الخطإ.
و قد ذكر بعضهم: أن الذي تعرفه اللغة من البنوة ما يجري من ناحية الابن، و أما ابن البنت و كل ما يجري من ناحيتها فللحوق هؤلاء بآبائهم لا بجدهم الأمي

