تفسير الميزان ج٤
282ضعيفا لما ركب الله فيه القوى الشهوية التي لا تزال تنازعه في ما تتعلق به من المشتهيات، و تبعثه إلى غشيانها فمن الله عليهم بتشريع حلية ما تنكسر به سورة شهوتهم بتجويز النكاح بما يرتفع به غائلة الحرج حيث قال: {وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} و هو النكاح و ملك اليمين فهداهم بذلك سنن الذين من قبلهم، و زادهم تخفيفا منه لهم لتشريع نكاح المتعة إذ ليس معه كلفة النكاح و ما يستتبعه من أثقال الوظائف من صداق و نفقة و غير ذلك.
و ربما قيل: إن المراد به إباحة نكاح الإماء عند الضرورة تخفيفا. و فيه: أن نكاح الإماء عند الضرورة كان معمولا به بينهم قبل الإسلام على كراهة و ذم، و الذي ابتدعته هذه الآيات هو التسبب إلى نفي هذه الكراهة و النفرة ببيان أن الأمة كالحرة إنسان لا تفاوت بينهما، و أن الرقية لا توجب سقوط صاحبها عن لياقة المصاحبة و المعاشرة.
و ظاهر الآيات بما لا ينكر أن الخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين من هذه الأمة فالتخفيف المذكور في الآية تخفيف على هذه الأمة، و المراد به ما ذكرناه.
و على هذا فتعليل التخفيف بقوله: {وَ خُلِقَ اَلْإِنْسَانُ ضَعِيفاً} مع كونه وصفا مشتركا بين جميع الأمم هذه الأمة و الذين من قبلهم و كون التخفيف مخصوصا بهذه الأمة إنما هو من قبيل ذكر المقتضي العام و السكوت عما يتم به في تأثيره فكأنه قيل: إنا خففنا عنكم لكون الضعف العام في نوع الإنسان سببا مقتضيا للتخفيف لو لا المانع لكن لم تزل الموانع تمنع عن فعلية التخفيف و انبساط الرحمة في سائر الأمم حتى وصلت النوبة إليكم فعمتكم الرحمة، و ظهرت فيكم آثاره فبرز حكم السبب المذكور و شرع فيكم حكم التخفيف و قد حرمت الأمم السابقة من ذلك كما يدل عليه قوله: {رَبَّنَا وَ لاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا}«البقرة: ٢٨٦»، و قوله: {هُوَ اِجْتَبَاكُمْ وَ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}: «الحج: ٧٨».
و من هنا يظهر أن النكتة في هذا التعليل العام بيان ظهور تمام النعم الإنسانية في هذه الأمة.

