تفسير الميزان ج٤
281و هذا معنى لا بأس به غير أن الهداية في القرآن غير مستعملة في هذا المعنى، و إنما استعمل فيما استعمل في الإيصال إلى الحق أو إرادة الحق كقوله: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}: «القصص: ٥٦» و قوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ اَلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً}: «الإنسان: ٣» و الأوفق بمذاق القرآن أن يعبر عن أمثال هذه المعاني بلفظ التبيين و القصص و نحو ذلك.
نعم لو جعل قوله يبين و قوله: {وَ يَهْدِيَكُمْ} متنازعين في قوله: {سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} و قوله: {وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} أيضا راجعا إليه، و آل المعنى إلى أن الله يبين لكم سنن الذين من قبلكم، و يهديكم إلى الحق منها، و يتوب عليكم فيما ابتليتم به من باطلها كان له وجه فإن الآيات السابقة فيها ذكر من سنن السابقين و الحق و الباطل منها، و التوبة على ما قد سلف من السنن الباطلة.
قوله تعالى: {وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}التوبة المذكورة هو رجوعه إلى عبده بالنعمة و الرحمة، و تشريع الشريعة، و بيان الحقيقة، و الهداية إلى طريق الاستقامة كل ذلك توبة منه سبحانه كما أن قبول توبة العبد و رفع آثار المعصية توبة. و تذييل الكلام بقوله: {وَ اَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} ليكون راجعا إلى جميع فقرات الآية، و لو كان المراد رجوعه إلى آخر الفقرات لكان الأنسب ظاهرا أن يقال: {وَ اَللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.
قوله تعالى: {وَ اَللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ} إلخ، كان تكرار ذكر توبته للمؤمنين للدلالة على أن قوله: {وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً} إنما يقابل من الفقرات الثلاث في الآية السابقة الفقرة الأخيرة فقط، إذ لو ضم قوله: {وَ يُرِيدُ اَلَّذِينَ}«إلخ» إلى الآية السابقة من غير تكرار قوله: {وَ اَللَّهُ يُرِيدُ}«إلخ» أفاد المقابلة في معنى جميع الفقرات و لغا المعنى قطعا.
و المراد بالميل العظيم هتك هذه الحدود الإلهية المذكورة في الآيات بإتيان المحارم، و إلغاء تأثير الأنساب و الأسباب، و استباحة الزنا و المنع عن الأخذ بما سنة الله من السنة القويمة.
قوله تعالى: {يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ اَلْإِنْسَانُ ضَعِيفاً} كون الإنسان

