تفسير الميزان ج٤
280قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ اَلْعَنَتَ مِنْكُمْ}العنت الجهد و الشدة و الهلاك، و كان المراد به الزنا الذي هو نتيجة وقوع الإنسان في مشقة الشبق و جهد شهوة النكاح و فيه هلاك الإنسان. و الإشارة على ما قيل: إلى نكاح الجواري المذكور في الآية، و عليه فمعنى قوله {وَ أَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ} أن تصبروا عن نكاح الإماء أو عن الزنا خير لكم. و يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى وجوب نكاح الإماء أو وجوب مطلق النكاح لو استفيد شيء منهما من سابق سياق الآية و الله أعلم.
و كيف كان فكون الصبر خيرا إن كان المراد هو الصبر عن نكاح الإماء إنما هو لما فيه من حقوق مواليهن و في أولادهن على ما فصل في الفقه، و إن كان المراد الصبر عن الزنا إنما هو لما في الصبر من تهذيب النفس و تهيئة ملكة التقوى فيها بترك اتباع هواها في الزنا من غير ازدواج أو معه، و الله غفور رحيم يمحو بمغفرته آثار خطرات السوء عن نفوس المتقين من عباده و يرحمهم برحمته.
قوله تعالى: {يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} إلى آخر الآية، بيان و إشارة إلى غاية تشريع ما سبق من الأحكام في الآيات الثلاث و المصالح التي تترتب عليها إذا عمل بها فقوله: {يُرِيدُ اَللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} أي أحكام دينه مما فيه صلاح دنياكم و عقباكم، و ما في ذلك من المعارف و الحكم و على هذا فمعمول قوله: {لِيُبَيِّنَ} محذوف للدلالة على فخامة أمره و عظم شأنه، و يمكن أن يكون قوله: {لِيُبَيِّنَ لَكُمْ}، و قوله: {وَ يَهْدِيَكُمْ} متنازعين في قوله، {سُنَنَ اَلَّذِينَ}.
قوله تعالى: {وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أي طرق حياة السابقين من الأنبياء و الأمم الصالحة، الجارين في الحياة الدنيا على مرضاة الله، الحائزين به سعادة الدنيا و الآخرة، و المراد بسننهم على هذا المعنى سننهم في الجملة لا سننهم بتفاصيلها و جميع خصوصياتها فلا يرد عليه أن من أحكامهم ما تنسخه هذه الآيات بعينها كازدواج الإخوة بالأخوات في سنة آدم، و الجمع بين الأختين: في سنة يعقوب (عليه السلام)، و قد جمع (عليه السلام) بين الأختين ليا أم يهودا و راحيل أم يوسف على ما في بعض الأخبار، هذا.
و هنا معنى آخر قيل به، و هو أن المراد الهداية إلى سنن جميع السابقين سواء كانوا على الحق أو على الباطل، يعني أنا بينا لكم جميع السنن السابقة من حق و باطل لتكونوا على بصيرة فتأخذوا بالحق منها و تدعوا الباطل.

