تفسير الميزان ج٤
28منهم، و فوت النصر و الفتح بعد ما أطلا عليهم.
و هذه الجملة أعني قوله: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ} «إلخ» و ما بعدها من الجمل المتسقة إلى قوله: {وَ يَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ} في موضع التعليل كما مر لقوله: {وَ لاَ تَهِنُوا وَ لاَ تَحْزَنُوا} اه كما أن قوله: {وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ} تعليل آخر.
و الفرق بين النوعين من التعليل أن الأول أعني قوله: {وَ أَنْتُمُ اَلْأَعْلَوْنَ} إلخ، تعليل من طريق التخطئة لظنهم، فإنهم إنما وهنوا و حزنوا لما ظنوا علاء المشركين عليهم فخطاهم الله بأن ملاك العلاء معكم إن كنتم مؤمنين لا مع المشركين، و قد قال تعالى: {وَ كَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ اَلْمُؤْمِنِينَ}: «الروم: ٤٧».
و أما الثاني فمن طريق بيان حال الفريقين المؤمنين و المشركين أو بيان الحكم و المصالح التي ترجع إلى أصل واحد و هو السنة الإلهية الجارية بمداولة الأيام بين الناس.
قوله تعالى: «{وَ تِلْكَ اَلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ}» اليوم هو المقدار المعتد به من الزمان اللازم لحدوث الحوادث فيختلف باختلاف الحوادث، و قد شاع استعماله فيما بين طلوع الشمس و غروبها، و ربما استعمل في الملك و السلطنة و القهر و نحوها بعلاقة الظرف و المظروف، فيقال يوم جماعة كذا و يوم آل فلان أي تقدمهم و حكومتهم على غيرهم، و قد يقال لنفس الزمان الذي وقع فيه ذلك، و المراد بالأيام في الآية هو هذا المعنى. و المداولة جعل الشيء يتناوله واحد بعد آخر. فالمعنى: أن السنة الإلهية جرت على مداولة الأيام بين الناس من غير أن توقف على قوم و يذب عنها قوم لمصالح عامة تتبع هذه السنة لا تحيط أفهامكم إلا ببعضها دون جميعها.
قوله تعالى: «{وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ}» إلخ عطف على محذوف حذف للتلويح على أنه مما لا تحيط به الأفهام و لا تدركه العقول إلا من بعض جهاتها، و الذي ينفع المؤمنين العلم به هو ما ذكره بقوله: {وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} إلخ و بقوله: {وَ لِيُمَحِّصَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ اَلْكَافِرِينَ}.
أما قوله: {وَ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا}، فالمراد به ظهور إيمان المؤمنين بعد بطونه و خفائه، فإن علمه تعالى بالحوادث و الأشياء في الخارج عين وجودها فيه فإن الأشياء

