تفسير الميزان ج٤
276اليمين إلى المؤمنين و فيهم المريد للتزوج بعد الجميع واحدا غير مختلف لاتحادهم في الدين، و اتحاد مصالحهم و منافعهم كأنهم شخص واحد.
و في تقييد المحصنات و كذا الفتيات بالمؤمنات إشارة إلى عدم جواز تزوج غير المؤمنات من كتابية و مشركة، و لهذا الكلام تتمة ستمر بك إن شاء الله العزيز في أوائل سورة المائدة.
و محصل معنى الآية أن من لم يقدر منكم على أن ينكح الحرائر المؤمنات لعدم قدرته على تحمل أثقال المهر و النفقة فله أن ينكح من الفتيات المؤمنات من غير أن يتحرج من فقدان القدرة على الحرائر، و يعرض نفسه على خطرات الفحشاء و معترض الشقاء.
فالمراد بهذا النكاح هو النكاح الدائم، و الآية في سياق التنزل أي إن لم يمكنكم كذا فيمكنكم كذا، و إنما قصر الكلام في صورة التنزل على بعض أفراد المنزل عنه أعني على النكاح الدائم الذي هو بعض أفراد النكاح الجائز لكون النكاح الدائم هو المتعارف المتعين بالطبع في نظر الإنسان المريد تأسيس البيت و إيجاد النسل و تخليف الولد، و نكاح المتعة تسهيل ديني خفف الله به عن عباده لمصلحة سد طريق الفحشاء، و قطع منابت الفساد.
و سوق الكلام على الجهة الغالبة أو المعروفة السابقة إلى الذهن و خاصة في مقام تشريع الأحكام و القوانين كثير شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلىَ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}: «البقرة: ١٨٥»، مع أن العذر لا ينحصر في المرض و السفر، و قوله تعالى: {وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىَ أَوْ عَلىَ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ اَلْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ اَلنِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً}: «النساء: ٤٣»، و الأعذار و قيود الكلام كما ترى مبنية على الغالب المعروف، إلى غير ذلك من الآيات.
هذا على ما ذكروه من حمل الآية على النكاح الدائم، و لا يوجب ذلك من حيث اشتماله على معنى التنزل و التوسعة اختصاص الآية السابقة بالنكاح الدائم، و كون قوله: {فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ}، غير مسوق لبيان حكم نكاح المتعة كما توهمه بعضهم، لأن هذا التنزل و التوسعة واقع بطرفيه (المنزل عنه و المنزل إليه) في نفس هذه الآية أعني قوله:

