تفسير الميزان ج٤
269من قوله: {مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} يتبين به الطريق المشروع في نيل النساء و مباشرتهن، و ذلك أن الذي يشمله قوله: {وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} من المصداق ثلاثة: النكاح و ملك اليمين و السفاح و هو الزنا فبين بقوله: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} إلخ، المنع عن السفاح و قصر الحل في النكاح و ملك اليمين ثم اعتبر الابتغاء بالأموال و هو في النكاح المهر و الأجرة ركن من أركانه و في ملك اليمين الثمن و هو الطريق الغالب في تملك الإماء فيئول معنى الآية إلى مثل قولنا: أحل لكم فيما سوى الأصناف المعدودة أن تطلبوا مباشرة النساء و نيلهن بإنفاق أموالكم في أجرة المنكوحات من النساء نكاحا من غير سفاح أو إنفاقها في ثمن الجواري و الإماء.
و من هنا يظهر أن المراد بالإحصان في قوله: {مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} إحصان العفة دون إحصان التزوج و إحصان الحرية فإن المراد بابتغاء الأموال في الآية أعم مما يتعلق بالنكاح أو بملك اليمين و لا دليل على قصرها في النكاح حتى يحمل الإحصان على إحصان التزوج، و ليس المراد بإحصان العفة الاحتراز عن مباشرة النساء حتى ينافي المورد بل ما يقابل السفاح أعني التعدي إلى الفحشاء بأي وجه كان بقصر النفس في ما أحل الله، و كفها عما حرم الله من الطرق العادية في التمتع المباشري الذي أودع النزوع إليه في جبلة الإنسان و فطرته.
و بما قدمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن قوله {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ}، بتقدير لام الغاية أو ما يؤدي معناها، و التقدير لتبتغوا، أو إرادة أن تبتغوا.
و ذلك أن مضمون قوله: {أَنْ تَبْتَغُوا}، بوجه عين ما أريد بقوله: {مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} لا أنه أمر مترتب عليه مقصود لأجله، و هو ظاهر.
و كذا ما يظهر من كلام بعضهم: أن المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء و صبه من غير أن يقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطرية في الإنسان لأجلها، و هي غرض تكوين البيت و إيجاد النسل و الولد، و بالمقابلة يكون الإحصان هو الازدواج الدائم الذي يكون الغرض منه التوالد و التناسل، هذا.
و إني لست أرى هذا القائل إلا أنه اختلط عليه طريق البحث فخلط البحث في ملاك الحكم المسمى بحكمة التشريع بالبحث عن نفس الحكم فلزمه ما لا يسعه الالتزام به من اللوازم.

