تفسير الميزان ج٤
264و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) فيما رواه الفريقان أنه قال: إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب و لازمه أن تنتشر الحرمة بالرضاع فيما يحاذي محرمات النسب من الأصناف، و هي الأم و البنت و الأخت و العمة و الخالة و بنت الأخ و بنت الأخت، سبعة أصناف.
و أما ما به يتحقق الرضاع و ما له في نشره الحرمة من الشرائط من حيث الكم و الكيف و المدة و ما يلحق بها من الأحكام فهو مما يتبين في الفقه، و البحث فيه خارج عن وضع هذا الكتاب، و أما قوله: {وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ اَلرَّضَاعَةِ} فالمراد به الأخوات الملحقة بالرجل من جهة إرضاع أمه إياها بلبن أبيه و هكذا.
قوله تعالى: {وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} سواء كانت النساء أي الأزواج مدخولا بهن أو غير مدخول بهن فإن النساء إذا أضيفت إلى الرجال دلت على مطلق الأزواج، و الدليل على ذلك التقييد الآتي في قوله تعالى: {مِنْ نِسَائِكُمُ اَللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} (الآية).
قوله تعالى: {وَ رَبَائِبُكُمُ اَللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} إلى قوله: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} الربائب جمع الربيبة و هي بنت زوجة الرجل من غيره لأن تدبير أمر من مع المرأة من الولد إلى زوجها فهو الذي يربها و يربيها في العادة الغالبة و إن لم يكن كذلك دائما.
و كذلك كون الربيبة في حجر الزوج أمر مبني على الغالب و إن لم يجر الأمر عليه دائما، و لذلك قيل: إن قوله: {اَللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} قيد مبني على الغالب فالربيبة محرمة سواء كانت في حجر زوج أمها أو لم يكن، فالقيد توضيحي لا احترازي.
و من الممكن أن يقال: إن قوله: {اَللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}، إشارة إلى ما يستفاد من حكمة تشريع الحرمة في محرمات النسب و السبب على ما سيجيء البحث عنه، و هو الاختلاط الواقع المستقر بين الرجل و بين هؤلاء الأصناف من النساء و المصاحبة الغالبة بين هؤلاء في المنازل و البيوت فلو لا حكم الحرمة المؤبدة لم يمكن الاحتراز من وقوع الفحشاء بمجرد تحريم الزنا (على ما سيجيء بيانه).
فيكون قوله: {اَللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ} مشيرا إلى أن الربائب لكونهن غالبا في حجوركم و في صحابتكم تشارك سائر الأصناف في الاشتمال على ملاك التحريم و حكمته.

