تفسير الميزان ج٤
257المدنية بل في جميع السنن الإنسانية حتى الهمجية قليلا أو كثيرا على اختلافها، و الكلمة الجامعة لجميع هذه المعاني هي قوله تعالى: {وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} على ما تبين.
و أما قوله تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسىَ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} فهو من قبيل إظهار الأمر المعلوم في صورة المشكوك المحتمل اتقاء من تيقظ غريزة التعصب في المخاطب نظير قوله تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ قُلِ اَللَّهُ وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلىَ هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ قُلْ لاَ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَ لاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}: «سبأ: ٢٥».
فقد كان المجتمع الإنساني يومئذ (عصر نزول القرآن) لا يوقف النساء في موقفها الإنساني الواقعي، و يكره ورودها في المجتمع ورود البعض المقوم بل المجتمعات القائمة على ساقها يومئذ بين ما يعدهن طفيليات خارجة لاحقة ينتفع بوجودها، و ما يعدهن إنسانا ناقصا في الإنسانية كالصبيان و المجانين إلا أنهن لا يبلغن الإنسانية أبدا فيجب أن يعشن تحت الإتباع و الاستيلاء دائما، و لعل قوله تعالى: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ}، حيث نسب الكراهة إلى أنفسهن دون نكاحهن إشارة إلى ذلك.
قوله تعالى: {وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ} إلى آخر الآية، الاستبدال استفعال بمعنى طلب البدل، و كأنه بمعنى إقامة زوج مقام زوج أو هو من قبيل التضمين بمعنى إقامة امرأة مقام أخرى بالاستبدال، و لذلك جمع بين قوله{أَرَدْتُمُ} و بين قوله: {اِسْتِبْدَالَ} إلخ مع كون الاستبدال مشتملا على معنى الإرادة و الطلب، و على هذا فالمعنى: {وَ إِنْ أَرَدْتُمُ} أن تقيموا زوجا مقام أخرى بالاستبدال.
و البهتان ما بهت الإنسان أي جعله متحيرا، و يغلب استعماله في الكذب من القول و هو في الأصل مصدر، و قد استعمل في الآية في الفعل الذي هو الأخذ من المهر، و هو في الآية حال من الأخذ و كذا قوله: {إِثْماً}، و الاستفهام إنكاري.
و المعنى: إن أردتم أن تطلقوا بعض أزواجكم و تتزوجوا بأخرى مكانها فلا تأخذوا من الصداق الذي آتيتموها شيئا و إن كان ما آتيتموها مالا كثيرا، و ما تأخذونه قليلا جدا.

