تفسير الميزان ج٤
246إِبْرَاهِيمُ اَلْقَوَاعِدَ مِنَ اَلْبَيْتِ وَ إِسْمَاعِيلُ} إلى قوله: {وَ تُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ اَلتَّوَّابُ اَلرَّحِيمُ}: البقرة: ١٢٨، و قوله تعالى: حكاية عن موسى (عليه السلام): {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ}: الأعراف: ١٤٣، و قوله تعالى خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله و سلم): {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌّ وَ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِبْكَارِ} المؤمن: ٥٥، و قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اَللَّهُ عَلَى اَلنَّبِيِّ وَ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ اَلْعُسْرَةِ}: التوبة: ١١٧.
و هذه التوبة العامة من الله سبحانه هي التي يدل عليها إطلاق آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله تعالى: {غَافِرِ اَلذَّنْبِ وَ قَابِلِ اَلتَّوْبِ}: المؤمن: ٣، و قوله تعالى: {يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}: الشورى: ٢٥، إلى غير ذلك.
فتلخص مما مر أولا أن نشر الرحمة من الله سبحانه على عبده لمغفرة ذنوبه، و إزالة ظلمة المعاصي عن قلبه سواء في ذلك الشرك و ما دونه توبة منه تعالى لعبده و أن رجوع العبد إلى ربه لمغفرة ذنوبه و إزالة معاصيه سواء في ذلك الشرك و غيره توبة منه إلى ربه.
و يتبين به أن من الواجب في الدعوة الحقة أن تعتني بأمر المعاصي كما تعتني بأصل الشرك، و تندب إلى مطلق التوبة الشامل للتوبة عن الشرك و التوبة عن المعاصي.
و ثانيا: أن التوبة من الله سبحانه لعبده أعم من المبتدئة و اللاحقة فضل منه كسائر النعم التي يتنعم بها خلقه من غير إلزام و إيجاب يرد عليه تعالى من غيره، و ليس معنى وجوب قبول التوبة عليه تعالى عقلا إلا ما يدل عليه أمثال قوله تعالى: {وَ قَابِلِ اَلتَّوْبِ}«غافر: ٣» و قوله: {وَ تُوبُوا إِلَى اَللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ}: «النور: ٣١» و قوله: {إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اَلتَّوَّابِينَ} (الآية): «البقرة: ٢٢٢» و قوله: {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ} (الآية) من الآيات المتضمنة لتوصيفه تعالى بقبول التوبة، و النادبة إلى التوبة، الداعية إلى الاستغفار و الإنابة و غيرها المشتملة على وعد القبول بالمطابقة أو الالتزام، و الله سبحانه لا يخلف الميعاد.
و من هنا يظهر أن الله سبحانه غير مجبور في قبول التوبة بل له الملك من غير استثناء يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد فله أن يقبل ما يقبل من التوبة على ما وعد و يرد ما يرد منها كما هو ظاهر قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ اِزْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ}:

