تفسير الميزان ج٤
242الآية إلا موردان هما التوبة للمسيء المتسامح في التوبة إلى حين حضور الموت، و التوبة للكافر بعد الموت، و لو كان المقبول من التوبة هو ما يعد عرفا قريبا متصلا بزمان المعصية لكان للتوبة غير المقبولة مصاديق أخر لم تذكر في الآية.
قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ كَانَ اَللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} الآيتان باسم الإشارة الموضوع للبعيد لا يخلو من إشارة إلى ترفيع قدرهم و تعظيم أمرهم كما يدل قوله: {يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهَالَةٍ} على المساهلة في إحصاء معاصيهم على خلاف ما في الآية لثانية: {وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئَاتِ} إلخ.
و قد اختير لختم الكلام قوله: {وَ كَانَ اَللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} دون أن يقال: و كان الله غفورا رحيما للدلالة على أن فتح باب التوبة إنما هو لعلمه تعالى بحال العباد و ما يؤديهم إليه ضعفهم و جهالتهم، و لحكمته المقتضية لوضع ما يحتاج إليه إتقان النظام و إصلاح الأمور و هو تعالى لعلمه و حكمته لا يغره ظواهر الأحوال بل يختبر القلوب، و لا يستزله مكر و لا خديعة فعلى التائب من العباد أن يتوب حق التوبة حتى يجيبه الله حق الإجابة.
قوله تعالى: {وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئَاتِ} إلخ في عدم إعادة قوله: {عَلَى اَللَّهِ} مع كونه مقصودا ما لا يخفى من التلويح إلى انقطاع الرحمة الخاصة و العناية الإلهية عنهم كما أن إيراد السيئات بلفظ الجمع يدل على العناية بإحصاء سيئاتهم و حفظها عليهم كما تقدمت الإشارة إليه.
و تقييد قوله: {يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئَاتِ} بقوله: {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ} المفيد لاستمرار الفعل إما لأن المساهلة في المبادرة إلى التوبة و تسويفها في نفسه معصية مستمرة متكررة، أو لأنه بمنزلة المداومة على الفعل، أو لأن المساهلة في أمر التوبة لا تخلو غالبا عن تكرر معاص مجانسة للمعصية الصادرة أو مشابهة لها.
و في قوله: {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ} دون أن يقال: حتى إذا جاءهم الموت دلالة على الاستهانة بالأمر و الاستحقار له أي حتى يكون أمر التوبة هينا هذا الهوان سهلا هذه السهولة حتى يعمل الناس ما يهوونه و يختاروا ما يشاءونه و لا يبالون و كلما عرض لأحدهم عارض الموت قال: إني تبت الآن فتندفع مخاطر الذنوب و مهلكة

