تفسير الميزان ج٤
241أن لا يؤخر الإنسان التوبة إلى حضور موته كسلا و توانيا و مماطلة إذ التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية فيكون توبته تعالى أيضا قبول هذا الرجوع، و لا معنى للعبودية إلا مع الحياة الدنيوية التي هي ظرف الاختيار و موطن الطاعة و المعصية، و مع طلوع آية الموت لا اختيار تتمشى معه طاعة أو معصية، قال تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً}«الأنعام ١٥٨» و قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اَللَّهِ اَلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ اَلْكَافِرُونَ}: «المؤمن: ٨٥» إلى غير ذلك من الآيات.
و بالجملة يعود المعنى إلى أن الله سبحانه إنما يقبل توبة المذنب العاصي إذا لم يقترف المعصية استكبارا على الله بحيث يبطل منه روح الرجوع و التذلل لله، و لم يتساهل و يتسامح في أمر التوبة تساهلا يؤدي إلى فوت الفرصة بحضور الموت.
و يمكن أن يكون قوله: {بِجَهَالَةٍ} قيدا توضيحيا، و يكون المعنى: {لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ} و لا يكون ذلك إلا عن جهل منهم فإنه مخاطرة بالنفس و تعرض لعذاب أليم، أو لا يكون ذلك إلا عن جهل منهم بكنه المعصية و ما يترتب عليها من المحذور، و لازمه كون قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} إشارة إلى ما قبل الموت لا كناية عن المساهلة في أمر التوبة فإن من يأتي بالمعصية استكبارا و لا يخضع لسلطان الربوبية يخرج على هذا الفرض بقوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} لا بقوله: {بِجَهَالَةٍ} و على هذا لا يمكن الكناية بقوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ} عن التساهل و التواني فافهم ذلك، و لعل الوجه الأول أوفق لظاهر الآية.
و قد ذكر بعضهم: أن المراد بقوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} أن تتحقق التوبة في زمان قريب من وقت وقوع المعصية عرفا كزمان الفراغ من إتيان المعصية أو ما يعد عرفا متصلا به لا أن يمتد إلى حين حضور الموت كما ذكر.
و هو فاسد لإفساده معنى الآية التالية فإن الآيتين في مقام بيان ضابط كلي لتوبة الله سبحانه أي لقبول توبة العبد على ما يدل عليه الحصر الوارد في قوله: {إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ} إلخ و الآية الثانية تبين الموارد التي لا تقبل فيها التوبة، و لم يذكر في

