تفسير الميزان ج٤
240بمرور زمان أو ضعف القوى بشيب أو مزاج عاد الإنسان إلى العلم و زالت الجهالة، و بانت الندامة بخلاف الفعل الصادر عن عناد و تعمد و نحو ذلك فإن سبب صدوره لما لم يكن طغيان شيء من القوى و العواطف و الأميال النفسانية بل أمرا يسمى عندهم بخبث الذات و رداءة الفطرة لا يزول بزوال طغيان القوى و الأميال سريعا أو بطيئا بل دام نوعا بدوام الحياة من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلا أن يشاء الله.
نعم ربما يتفق أن يرجع المعاند اللجوج عن عناده و لجاجه و استعلائه على الحق فيتواضع للحق و يدخل في ذل العبودية فيكشف ذلك عندهم عن أن عناده كان عن جهالة، و في الحقيقة كل معصية جهالة من الإنسان، و على هذا لا يبقى للمعاند مصداق إلا من لا يرجع عن سوء عمله إلى آخر عهده بالحياة و العافية.
و من هنا يظهر معنى قوله تعالى: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} أي إن عامل السوء بجهالة لا يقيم عاكفا على طريقته ملازما لها مدى حياته من غير رجاء في عدوله إلى التقوى و العمل الصالح كما يدوم عليه المعاند اللجوج بل يرجع عن عمله من قريب فالمراد بالقريب العهد القريب أو الزمان القريب و هو قبل ظهور آيات الآخرة و قدوم الموت.
و كل معاند لجوج في عمله إذا شاهد ما يسوؤه من جزاء عمله و وبال فعله ألزمته نفسه على الندامة و التبري من فعله لكنه بحسب الحقيقة ليس بنادم عن طبعه و هداية فطرته بل إنما هي حيلة يحتالها نفسه الشريرة للتخلص من وبال الفعل، و الدليل عليه أنه إذا اتفق تخلصه من الوبال المخصوص عاد ثانيا إلى ما كان عليه من سيئات الأعمال قال تعالى: {وَ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}: «الأنعام: ٢٨».
و الدليل على أن المراد بالقريب في الآية هو ما قبل ظهور آية الموت قوله تعالى في الآية التالية: {وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ} إلى قوله: {قَالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ}.
و على هذا يكون قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} كناية عن المساهلة المفضية إلى فوت الفرصة.
و يتبين مما مر أن القيدين جميعا أعني قوله: {بِجَهَالَةٍ}، و قوله: {ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} احترازيان يراد بالأول منهما أن لا يعمل السوء عن عناد و استعلاء على الله، و بالثاني منهما

