تفسير الميزان ج٤
239تعالى: {اَلَّذِينَ يَحْمِلُونَ اَلْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَ اِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ}: «المؤمن: ٧» يريد: {لِلَّذِينَ آمَنُوا} بقرينة أول الكلام فسمى الإيمان توبة، و قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ}: «التوبة: ١١٨».
و الدليل على أن المراد هي التوبة أعم من أن تكون من الشرك أو المعصية التعميم الموجود في الآية التالية: و ليست التوبة «إلخ» فإنها تتعرض لحال الكافر و المؤمن معا، و على هذا فالمراد بقوله: {يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ} ما يعم حال المؤمن و الكافر معا فالكافر كالمؤمن الفاسق ممن يعمل السوء بجهالة إما لأن الكفر من عمل القلب، و العمل أعم من عمل القلب و الجوارح، أو لأن الكفر لا يخلو من أعمال سيئة من الجوارح فالمراد من الذين {يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهَالَةٍ} الكافر و الفاسق إذا لم يكونا معاندين في الكفر و المعصية.
و أما قوله تعالى: {بِجَهَالَةٍ}فالجهل يقابل العلم بحسب الذات غير أن الناس لما شاهدوا من أنفسهم أنهم يعملون كلا من أعمالهم الجارية عن علم و إرادة، و أن الإرادة إنما تكون عن حب ما و شوق ما سواء كان الفعل مما ينبغي أن يفعل بحسب نظر العقلاء في المجتمع أو مما لا ينبغي أن يفعل لكن من له عقل مميز في المجتمع عندهم لا يقدم على السيئة المذمومة عند العقلاءفأذعنوا بأن من اقترف هذه السيئات المذمومة لهوى نفساني و داعية شهوية أو غضبية خفي عليه وجه العلم، و غاب عنه عقله المميز الحاكم في الحسن و القبيح و الممدوح و المذموم، و ظهر عليه الهوى و عندئذ يسمى حاله في علمه و إرادته «جهالة» في عرفهم و إن كان بالنظر الدقيق نوعا من العلم لكن لما لم يؤثر ما عنده من العلم بوجه قبح الفعل و ذمه في ردعه عن الوقوع في القبح و الشناعة ألحق بالعدم فكان هو جاهلا عندهم حتى إنهم يسمون الإنسان الشاب الحدث السن قليل التجربة جاهلا لغلبة الهوى و ظهور العواطف و الإحساسات النيئة على نفسه، و لذلك أيضا تراهم لا يسمون حال مقترف السيئات إذا لم ينفعل في اقتراف السيئة عن الهوى و العاطفة جهالة بل يسمونها عنادا و عمدا و غير ذلك.
فتبين بذلك أن الجهالة في باب الأعمال إتيان العمل عن الهوى و ظهور الشهوة و الغضب من غير عناد مع الحق، و من خواص هذا الفعل الصادر عن جهالة أن إذا سكنت ثورة القوى و خمد لهيب الشهوة أو الغضب باقتراف للسيئة أو بحلول مانع أو

