تفسير الميزان ج٤
238و هذان الرجوعان من الله سبحانه هما التوبتان الحافتان لتوبة العبد و رجوعه قال تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}: «التوبة: ١١٨» و هذه هي التوبة الأولى، و قال تعالى: {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ}: «البقرة: ١٦٠» و هذه هي التوبة الثانية، و بين التوبتين منه تعالى توبة العبد كما سمعت.
و أما قوله: {عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ}، لفظة على و اللام تفيدان معنى النفع و الضرر كما في قولنا: دارت الدائرة لزيد على عمرو، و كان السباق لفلان على فلان، و وجه إفادة على و اللام معنى الضرر و النفع أن على تفيد معنى الاستعلاء، و اللام معنى الملك و الاستحقاق، و لازم ذلك أن المعاني المتعلقة بطرفين ينتفع بها أحدهما و يتضرر بها الآخر كالحرب و القتال و النزاع و نحوها فيكون أحدهما الغالب و الآخر المغلوب ينطبق على الغالب منهما معنى الملك و على المغلوب معنى الاستعلاء، و كذا ما أشبه ذلك كمعنى التأثير بين المتأثر و المؤثر، و معنى العهد و الوعد بين المتعهد و المتعهد له، و الواعد و الموعود له و هكذا، فظهر أن كون على و اللام لمعنى الضرر و النفع إنما هو أمر طار من ناحية مورد الاستعمال لا من ناحية معنى اللفظ.
و لما كان نجاح التوبة إنما هو لوعد وعده الله عباده فأوجبها بحسبه على نفسه لهم قال هاهنا: {إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهَالَةٍ} فيجب عليه تعالى قبول التوبة لعباده لكن لا على أن لغيره أن يوجب عليه شيئا أو يكلفه بتكليف سواء سمي ذلك الغير بالعقل أو نفس الأمر أو الواقع أو الحق أو شيئا آخر، تعالى عن ذلك و تقدس بل على أنه تعالى وعد عباده أن يقبل توبة التائب منهم و هو لا يخلف الميعاد، فهذا معنى وجوب قبول التوبة على الله فيما يجب، و هو أيضا معنى وجوب كل ما يجب على الله من الفعل.
و ظاهر الآية أولا أنها لبيان أمر التوبة التي لله أعني رجوعه تعالى بالرحمة إلى عبده دون توبة العبد و إن تبين بذلك أمر توبة العبد بطريق اللزوم فإن توبة الله سبحانه إذا تمت شرائطها لم ينفك ذلك من تمام شرائط توبة العبد، و هذا أعني كون الآية في مقام بيان توبة الله سبحانه لا يحتاج إلى مزيد توضيح.
و ثانيا: أنها تبين أمر التوبة أعم مما إذا تاب العبد من الشرك و الكفر بالإيمان أو تاب من المعصية إلى الطاعة بعد الإيمان فإن القرآن يسمي الأمرين جميعا بالتوبة قال

