تفسير الميزان ج٤
235لكن لا يلائم ذلك قوله تعالى بعد: {فَإِنْ تَابَا وَ أَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا}، فإنه لا يلائم الحبس المخلد فلا بد أن يقال: إن المراد بالإعراض الإعراض عن الإيذاء دون الحبس فهو بحاله.
و لهذا ربما قيل تبعا لما ورد في بعض الروايات (و سننقلها) إن الآية الأولى لبيان حكم الزنا في الثيب، و الثانية مسوقة لحكم الأبكار و أن المراد بالإيذاء هو الحبس في الأبكار ثم تخلية سبيلهن مع التوبة و الإصلاح، لكن يبقى أولا الوجه في تخصيص الأولى بالثيبات و الثانية بالأبكار من غير دليل يدل عليه من جهة اللفظ، و ثانيا وجه تخصيص الزانية بالذكر في الآية الأولى، و ذكرهما معا في الآية الثانية: {وَ اَلَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ}.
و قد عزي إلى أبي مسلم المفسر أن الآية الأولى لبيان حكم السحق بين النساء، و الآية الثانية تبين حكم اللواط بين الرجال، و الآيتان غير منسوختين.
و فساده ظاهر: أما في الآية الأولى فلما ذكرناه في الكلام على قوله: {وَ اَللاَّتِي يَأْتِينَ اَلْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ}، و أما في الآية الثانية فلما ثبت في السنة من أن الحد في اللواط القتل، و قد صح عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه قال: من عمل منكم عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل و المفعول، و هذا إما حكم ابتدائي غير منسوخ، و إما حكم ناسخ لحكم الآية، و على أي حال يبطل قوله.
و من الممكن: أن يقال في معنى الآيتين نظرا إلى الظاهر السابق إلى الذهن من الآيتين، و القرائن المحفوف بها الكلام، و ما تقدم من الإشكال فيما ذكروه من المعنى و الله أعلم: إن الآية متضمنة لبيان حكم زنا المحصنات ذوات الأزواج، و يدل عليه تخصيص الآية النساء بالذكر دون الرجال، و إطلاق النساء على الأزواج شائع في اللسان و خاصة إذا أضيفت إلى الرجال كما في قوله: نسائكم، قال تعالى: {وَ آتُوا اَلنِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}: «النساء: ٤» و قال تعالى: {مِنْ نِسَائِكُمُ اَللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ}: «النساء: ٢٣».
و على هذا فقد كان الحكم الأولي المؤجل لهن الإمساك في البيوت ثم شرع لهن الرجم، و ليس نسخا للكتاب بالسنة على ما استدل به الجبائي فإن السنخ إنما هو رفع الحكم الظاهر بحسب الدليل في التأبيد، و هذا حكم مقرون بما يشعر بأنه مؤجل

