تفسير الميزان ج٤
234أي فعله، و الفاحشة من الفحش و هو الشناعة فهي الطريقة الشنيعة، و قد شاع استعمالها في الزنا، و قد أطلقت في القرآن على اللواط أو عليه و على السحق معا في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ اَلْعَالَمِينَ}: «العنكبوت: ٢٨».
و الظاهر أن المراد بها هاهنا الزنا على ما ذكره جمهور المفسرين، و رووا: أن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) ذكر عند نزول آية الجلد أن الجلد هو السبيل الذي جعله الله لهن إذا زنين، و يشهد بذلك ظهور الآية في أن هذا الحكم سينسخ حيث يقول تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}، و لم ينقل إن السحق نسخ حده بشيء آخر، و لا أن هذا الحد أجري على أحد من اللاتي يأتينه و قوله: {أَرْبَعَةً مِنْكُمْ}، يشهد بأن العدد من الرجال.
قوله تعالى: {فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ} إلى آخر الآية رتب الإمساك و هو الحبس المخلد على الشهادة لا على أصل تحقق الفاحشة و إن علم به إذا لم يشهد عليه الشهود و هو من منن الله سبحانه على الأمة من حيث السماحة و الإغماض.
و الحكم هو الحبس الدائم بقرينة الغاية المذكورة في الكلام أعني قوله: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ اَلْمَوْتُ}، غير أنه لم يعبر عنه بالحبس و السجن بل بالإمساك لهن في البيوت، و هذا أيضا من واضح التسهيل و السماحة بالإغماض، و قوله: {حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}، أي طريقا إلى التخلص من الإمساك الدائم و النجاة منه.
و في الترديد إشعار بأن من المرجو أن ينسخ هذا الحكم، و هكذا كان فإن١٤٠٠ حكم الجلد نسخه فإن من الضروري أن الحكم الجاري على الزانيات في أواخر عهد النبي ص و المعمول به بعده بين المسلمين هو الجلد دون الإمساك في البيوت فالآية على تقدير دلالتها على حكم الزانيات منسوخة بآية الجلد و السبيل المذكور فيها هو الجلد بلا ريب.
قوله تعالى: {وَ اَلَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا}، الآيتان متناسبتان مضمونا و الضمير في قوله: {يَأْتِيَانِهَا}، راجع إلى الفاحشة قطعا، و هذا يؤيد كون الآيتين جميعا مسوقتين لبيان حكم الزنا، و على ذلك فالآية الثانية متممة الحكم في الأولى فإن الأولى لم تتعرض إلا لما للنساء من الحكم، و الثانية تبين الحكم فيهما معا و هو الإيذاء فيتحصل من مجموع الآيتين حكم الزاني و الزانية معا و هو إيذاؤهما و إمساك النساء في البيوت.

