تفسير الميزان ج٤
217و ظهور التناسل بذلك ثم بنى عليه الاجتماع الكبير المتكون من الشعوب و القبائل.
و من ذيل الآية يظهر أن التفضيل المذكور في قوله: {اَلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى اَلنِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلىَ بَعْضٍ} (الآية)، إنما هو تفضيل في التجهيز بما ينتظم به أمر الحياة الدنيوية أعني المعاش أحسن تنظيم، و يصلح به حال المجتمع إصلاحا جيدا، و ليس المراد به الكرامة التي هي الفضيلة الحقيقية في الإسلام و هي القربى و الزلفى من الله سبحانه فإن الإسلام لا يعبأ بشيء من الزيادات الجسمانية التي لا يستفاد منها إلا للحياة المادية و إنما هي وسائل يتوسل بها لما عند الله.
فقد تحصل من جميع ما قدمنا أن الرجال فضلوا على النساء بروح التعقل الذي أوجب تفاوتا في أمر الإرث و ما يشبهه لكنها فضيلة بمعنى الزيادة و أما الفضيلة بمعنى الكرامة التي يعتني بشأنها الإسلام فهي التقوى أينما كانت.
(بحث روائي)
في الدر المنثور أخرج عبد بن حميد و البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقي في سننه من طرق جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) و أبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) لا أعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ منه ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: {يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ}.
أقول: قد تقدم مرارا أن أسباب النزول المروية لا تأبى أن تتعدد و تجتمع عدة منها في آية، و لا تنافي عدم انحصار عناية الآية النازلة فيها و لا أن يتصادف النزول فينطبق عليها مضمون الآية فلا يضر بالرواية ما فيها من قول جابر: ما تأمرني أن أصنع بمالي يا رسول الله فنزلت «إلخ»، مع أن قسمة المال لم يكن عليه حتى يجاب بالآية، و أعجب منه ما رواه أيضا عن عبد بن حميد و الحاكم عن جابر قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) يعودني و أنا مريض فقلت: كيف أقسم مالي بين ولدي؟ فلم يرد علي شيئا و نزلت: {يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ}.

