تفسير الميزان ج٤
216لكن النساء أيضا مجهزات بما يقابلها من الإحساسات اللطيفة و العواطف الرقيقة التي لا غنى للمجتمع عنها في حياته، و لها آثار هامة في أبواب الأنس و المحبة و السكن و الرحمة و الرأفة و تحمل أثقال التناسل و الحمل و الوضع و الحضانة و التربية و التمريض و خدمة البيوت، و لا يصلح شأن الإنسان بالخشونة و الغلظة لو لا اللينة و الرقة، و لا بالغضب لو لا الشهوة، و لا أمر الدنيا بالدفع لو لا الجذب.
و بالجملة هذان تجهيزان متعادلان في الرجل و المرأة يتعادل بهما كفتا الحياة في المجتمع المختلط المركب من القبيلين، و حاشاه سبحانه أن يحيف في كلامه أو يظلم في حكمه أم يخافون أن يحيف الله عليهم۱، و لا يظلم ربك أحدا٢ و هو القائل: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ}: «آل عمران: ١٩٥» و قد أشار إلى هذا الالتيام و البعضية بقوله في الآية: {بِمَا فَضَّلَ اَللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلىَ بَعْضٍ}.
و قال أيضا: {وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}: «الروم: ٢١» فانظر إلى عجيب بيان الآيتين حيث وصف الإنسان (و هو الرجل بقرينة المقابلة) بالانتشار و هو السعي في طلب المعاش، و إليه يعود جميع أعمال اقتناء لوازم الحياة بالتوسل إلى القوة و الشدة حتى ما في المغالبات و الغزوات و الغارات و لو كان للإنسان هذا الانتشار فحسب لانقسم أفراده إلى واحد يكر و آخر يفر.
لكن الله سبحانه خلق النساء و جهزهن بما يوجب أن يسكن إليهن الرجال و جعل بينهم مودة و رحمة فاجتذبن الرجال بالجمال و الدلال و المودة و الرحمة، فالنساء هن الركن الأول و العامل الجوهري للاجتماع الإنساني.
و من هنا ما جعل الإسلام الاجتماع المنزلي و هو الازدواج هو الأصل في هذا الباب قال تعالى: {يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىَ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاكُمْ}: «الحجرات: ١٣»، فبدأ بأمر ازدواج الذكر و الأنثى
- سورة النور: ٥٠
- سورة الكهف: ٤٩.

