تفسير الميزان ج٤
210إلى سر اختلاف السهام في وراثة الآباء و الأبناء و نوع تعليم لهم خوطبوا به بلسان «لا تدرون» و أمثال هذه التعبيرات شائعة في اللسان.
على أنه لو كان الخطاب لغير الورثة أعني للناس من جهة أنهم سيموتون و يورثون آباءهم و أبناءهم لم يكن وجه لقوله: {أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} فإن الظاهر أن المراد بالانتفاع هو الانتفاع بالمال الموروث و هو إنما يعود إلى الورثة دون الميت.
و تقديم الآباء على الأبناء يشعر بكون الآباء أقرب نفعا من الأبناء، كما في قوله تعالى: {إِنَّ اَلصَّفَا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اَللَّهِ}: «البقرة: ١٥٨» و قد مرت الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله و سلم) أنه قال: أبدأ بما بدأ الله الحديث. و الأمر على ذلك بالنظر إلى آثار الرحم و اعتبار العواطف الإنسانية فإن الإنسان أرأف بولده منه بوالديه و هو يرى بقاء ولده بقاء لنفسه دون بقاء والديه فآباء الإنسان أقوى ارتباطا و أمس وجودا به من أبنائه، و إذا بني الانتفاع الإرثي على هذا الأصل كان لازمه أن يذهب الإنسان إذا ورث أباه مثلا بسهم أزيد منه إذا ورث ابنه مثلا و إن كان ربما يسبق إلى الذهن البدوي أن يكون الأمر بالعكس.
و هذه الآية أعني قوله: {آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً} من الشواهد على أنه تعالى بنى حكم الإرث على أساس تكويني خارجي كسائر الأحكام الفطرية الإسلامية.
على أن الآيات المطلقة القرآنية الناظرة إلى أصل التشريع أيضا كقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللَّهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ}: «الروم: ٣٠» تدل على ذلك، و كيف يتصور مع وجود أمثال هذه الآيات أن يرد في الشريعة أحكام إلزامية و فرائض غير متغيرة و ليس لها أصل في التكوين في الجملة.
و ربما يمكن أن يستشم من الآية أعني قوله: {آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ} إلخ، تقدم أولاد الأولاد على الأجداد و الجدات فإن الأجداد و الجدات لا يرثون مع وجود الأولاد و أولاد الأولاد.
قوله تعالى: {فَرِيضَةً مِنَ اَللَّهِ} إلخ الظاهر أنه منصوب بفعل مقدر و التقدير خذوا أو الزموا و نحو ذلك و تأكيد بالغ أن هذه السهام المذكورة قدمت إليكم و هي مفرزة

