تفسير الميزان ج٤
203اَللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}: إبراهيم: ٣٤، و لم يقل: و إن تعدوه لا تحصوه لأن فيما سألوه ما ليس بنعمة، و المقام مقام الامتنان بالنعم و اللوم على كفرها و لذا ذكر بعض ما سألوه و هو النعمة.
ثم إن ما يفعله الإنسان لنفسه و يوقعه على غيره من خير أو شر يرتضيه لمن أوقع عليه و هو إنسان مثله فليس إلا أنه يرتضيه لنفسه و يسأله لشخصه فليس هناك إلا الإنسانية و من هاهنا يتضح للإنسان أنه إن أحسن لأحد فإنما سأل الله ذلك الإحسان لنفسه دعاء مستجابا و سؤالا غير مردود، و إن أساء على أحد أو ظلمه فإنما طلب ذلك لنفسه و ارتضاه لها و ما يرتضيه لأولاد الناس و يتاماهم يرتضيه لأولاد نفسه و يسأله لهم من خير أو شر، قال تعالى: {وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا اَلْخَيْرَاتِ}: البقرة: ١٤٨، فإن معناه أن استبقوا الخيرات لتكون وجهتكم خيرا.
و الاشتراك في الدم و وحدة الرحم يجعل عمود النسب و هو العترة شيئا واحدا فأي حال عرضت لجانب من جوانب هذا الواحد، و أي نازلة نزلت في طرف من أطرافها فإنما عرضت و نزلت على متنه و هو في حساب جميع الأطراف، و قد مر شطر من الكلام في الرحم في أول هذه السورة.
فقد ظهر بهذا البيان أن ما يعامل به الإنسان غيره أو ذرية غيره فلا محيص من أن ينعكس إلى نفسه أو ينقلب إلى ذريته إلا أن يشاء الله، و إنما استثنينا لأن في الوجود عوامل و جهات غير محصورة لا يحيط بجميعها إحصاء الإنسان، و من الممكن أن تجري هناك عوامل و أسباب لم نتنبه لها أو لم نطلع عليها توجب خلاف ذلك كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى: {وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}: «الشورى: ٣٠».
قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامىَ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} (الآية) يقال: أكله و أكله في بطنه و هما بمعنى واحد غير أن التعبير الثاني أصرح و الآية كسابقتها متعلقه للمضمون بقوله{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ} (الآية) و هي تخويف و ردع للناس عن هضم حقوق اليتامى في الإرث.
و الآية مما يدل على تجسم الأعمال على ما مر في الجزء الأول من هذا الكتاب في

