تفسير الميزان ج٤
202أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
الناس يتسلمون في الجملة أن الإنسان إنما يجني ثمر عمله و أن المحسن الخير من الناس يسعد في حياته، و الظلوم الشرير لا يلبث دون أن يذوق وبال عمله، و في القرآن الكريم آيات تدل على ذلك بإطلاقها كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا}: حم السجدة ٤٦، و قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}: الزلزال: ، و كذا قوله تعالى: {قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اَللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اَللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُحْسِنِينَ}: يوسف: ٩٠، و قوله: {لَهُ فِي اَلدُّنْيَا خِزْيٌ}: الحج: ٩، و قوله {وَ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} (الآية): الشورى: ٣٠، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الخير و الشر من العمل له نوع انعكاس و ارتداد إلى عامله في الدنيا.
و السابق إلى أذهاننا المأنوسة بالأفكار التجربية الدائرة في المجتمع من هذه الآيات أن هذا الانعكاس إنما هو من عمل الإنسان إلى نفسه إلا أن هناك آيات دالة على أن الأمر أوسع من ذلك، و أن عمل الإنسان خيرا أو شرا ربما عاد إليه في ذريته و أعقابه قال تعالى: {وَ أَمَّا اَلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ وَ كَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَ كَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}: الكهف: ٨٢، فظاهر الآية أن لصلاح أبيهما دخلا فيما أراده الله رحمة بهما، و قال تعالى {وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} (الآية).
و على هذا فأمر انعكاس العمل أوسع و أعم، و النعمة أو المصيبة ربما تحلان بالإنسان بما كسبت يدا شخصه أو أيدي آبائه.
و التدبر في كلامه تعالى يهدي إلى حقيقة السبب في ذلك فقد تقدم في الكلام على الدعاء في الجزء الثاني من هذا الكتاب في قوله تعالى: {وَ إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي}: البقرة: ١٨٦، دلالة كلامه تعالى على أن جميع ما يحل الإنسان من جانبه تعالى إنما هو لمسألة سألها ربه، و أن ما مهده من مقدمة و داخله من الأسباب سؤال منه لما ينتهي إليه من الحوادث و المسببات قال تعالى: {يَسْئَلُهُ مَنْ فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}: الرحمن: ٢٩، و قال تعالى: {وَ آتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ

