تفسير الميزان ج٤
201طريقة التحريم و العمل بها و هضم حقوق الأيتام الصغار، و الكناية بالقول عن الفعل للملازمة بينهما غالبا شائع في اللسان كقوله تعالى: {وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (الآية): البقرة ٨٣، و يؤيده توصيف القول بالسديد دون المعروف و اللين و نحوهما فإن ظاهر السداد في القول كونه قابلا للاعتقاد و العمل به لا قابلا لأن يحفظ به كرامة الناس و حرمتهم.
و كيف كان فظاهر قوله: {اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ} إنه تمثيل للرحمة و الرأفة على الذرية الضعاف الذين لا ولي لهم يتكفل أمرهم و يذود عنهم الذل و الهوان، و ليس التخويف و التهديد المستفاد من الآية مخصوصا بمن له ذرية ضعفاء بالفعل لمكان لو في قوله{لَوْ تَرَكُوا}، و لم يقل: لو تركوا ذريتهم الضعاف بل هو تمثيل يقصد به بيان الحال، و المراد الذين من صفتهم أنهم كذا أي أن في قلوبهم رحمة إنسانية و رأفة و شفقة على ضعفاء الذرية الذين مات عنهم آباؤهم و هم الأيتام و الذين من صفتهم كذا هم الناس و خاصة المسلمون المتأدبون بأدب الله المتخلقون بأخلاقه فيعود المعنى إلى مثل قولنا: و ليخش الناس و ليتقوا الله في أمر اليتامى فإنهم كأيتام أنفسهم في أنهم ذرية ضعاف يجب أن يخاف عليهم و يعتنى بشأنهم و لا يضطهدوا و لا يهضم حقوقهم فالكلام في مساق قولنا: من خاف الذل و الامتهان فليشتغل بالكسب و كل يخاف ذلك.
و لم يؤمر الناس في الآية بالترحم و الترؤف و نحو ذلك بل بالخشية و اتقاء الله و ليس إلا أنه تهديد بحلول ما أحلوا بأيتام الناس من إبطال حقوقهم و أكل مالهم ظلما بأيتام أنفسهم بعدهم، و ارتداد المصائب التي أوردوها عليهم إلى ذريتهم بعدهم.
و أما قوله: {فَلْيَتَّقُوا اَللَّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً} فقد تقدم أن الظاهر أن المراد بالقول هو الجري العملي و من الممكن أن يراد به الرأي.
كلام في انعكاس العمل إلى صاحبه
من ظلم يتيما في ماله فإن ظلمه سيعود إلى الأيتام من أعقابه، و هذا من الحقائق العجيبة القرآنية، و هو من فروع ما يظهر من كلامه تعالى أن بين الأعمال الحسنة و السيئة و بين الحوادث الخارجية ارتباطا، و قد تقدم بعض الكلام فيه في البحث عن

