تفسير الميزان ج٤
199أولي القربى و اليتامى و المساكين إذا حضروا قسمة التركة و لم يكونوا ممن يرث تطفلا.
قوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ} (الآية)، النصيب هو الحظ و السهم، و أصله من النصب بمعنى الإقامة لأن كل سهم عند القسمة ينصب على حدته حتى لا يختلط بغيره، و التركة ما بقي من مال الميت بعده كأنه يتركه و يرتحل فاستعماله الأصلي استعمال استعاري ثم ابتذل، و الأقربون هم القرابة الأدنون، و اختيار هذا اللفظ على مثل الأقرباء و أولي القربى و نحوهما لا يخلو من دلالة على أن الملاك في الإرث أقربية الميت من الوارث على ما سيجيء البحث عنه في قوله تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَ أَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}: «النساء: ١١»، و الفرض قطع الشيء الصلب و إفراز بعضه من بعض، و لذا يستعمل في معنى الوجوب لكون إتيانه و امتثال الأمر به مقطوعا معينا من غير تردد، و النصيب المفروض هو المقطوع المعين.
و في الآية إعطاء للحكم الكلي و تشريع لسنة حديثة غير مألوفة في أذهان المكلفين، فإن حكم الوراثة على النحو المشروع في الإسلام لم يكن قبل ذلك مسبوقا بالمثل و قد كانت العادات و الرسوم على تحريم عدة من الوراث عادت بين الناس كالطبيعة الثانية تثير النفوس و تحرك العواطف الكاذبة لو قرع بخلافها أسماعهم.
و قد مهد له في الإسلام أولا بتحكيم الحب في الله و الإيثار الديني بين المؤمنين فعقد الإخوة بين المؤمنين ثم جعل التوارث بين الأخوين، و انتسخ بذلك الرسم السابق في التوارث، و انقلع المؤمنون من الأنفة و العصبية القديمة ثم لما اشتد عظم الدين، و قام صلبه شرع التوارث بين أولي الأرحام في حين كان هناك عدة كافية من المؤمنين يلبون لهذا التشريع أحسن التلبية.
و بهذه المقدمة يظهر أن المقام مقام التصريح و رفع كل لبس متوهم بضرب القاعدة الكلية بقوله: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ}، فالحكم مطلق غير مقيد بحال أو وصف أو غير ذلك أصلا، كما أن موضوعه أعني الرجال عام غير مخصص بشيء متصل فالصغار ذوو نصيب كالكبار.
ثم قال: {وَ لِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ اَلْوَالِدَانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ} و هو كسابقه عام من غير شائبة تخصيص فيعم جميع النساء من غير تخصيص أو تقييد، و قد أظهر في قوله {مِمَّا تَرَكَ

