تفسير الميزان ج٤
181الوسائل، و لذلك ترى أن الإنسان اليوم كلما أصلح بقوة فكره واحدة من المفاسد العامة التي تهدد اجتماعه أنتج ذلك ما هو أمر و أدهى و زاد البلاء و المصيبة شيوعا و شمولا.
نعم ربما قال القائل من هؤلاء: إن الصفات الروحية التي تسمى فضائل نفسانية هي بقايا من عهد الأساطير و التوحش لا تلائم حياة الإنسان الراقي اليوم كالعفة و السخاء و الحياء و الرأفة و الصدق فإن العفة تقييد لطبيعة النفس فيما تشتهيه من غير وجه، و السخاء إبطال لسعي الإنسان في جمعه المال و ما قاساه من المحن في طريق اكتسابه على أنه تعويد للمسكين بالبطالة في الاكتساب و بسط يده لذل السؤال، و الحياء لجام يلجم الإنسان عن مطالبة حقوقه و إظهار ما في ضميره، و الرأفة تضعف القلب، و الصدق لا يلائم الحياة اليومية، و هذا الكلام بعينه من مصاديق الانحراف الذي ذكرناه.
و لم يدر هذا القائل إن هذه الفضائل في المجتمع الإنساني من الواجبات الضرورية التي لو ارتفعت من أصلها لم يعش المجتمع بعدها في حال الاجتماع و لا ساعة.
فلو ارتفعت هذه الخصال و تعدى كل فرد إلى ما لكل فرد من مختصات الحقوق و الأموال و الأعراض، و لم يسخ أحد ببذل ما مست إليه حاجة المجتمع، و لم ينفعل أحد من مخالفة ما يجب عليه رعايته من القوانين و لم يرأف أحد بالعجزة الذين لا ذنب لهم في عجزهم كالأطفال و من في تلوهم، و كذب كل أحد لكل أحد في جميع ما يخبر به و يعده و هكذا تلاشى المجتمع الإنساني من حينه.
فينبغي لهذا القائل إن يعلم أن هذه الخصال لا ترتحل و لن ترتحل عن الدنيا، و أن الطبيعة الإنسانية مستمسكة بها حافظة لحياتها ما دامت داعية للإنسان إلى الاجتماع، و إنما الشأن كل الشأن في تنظيم هذه الصفات و تعديلها بحيث توافق غرض الطبيعة و الخلقة في دعوتها الإنسان إلى سعادة الحياة، و لو كانت الخصال الدائرة في المجتمع المترقي اليوم فضائل للإنسانية معدلة بما هو الحري من التعديل لما أوردت المجتمع مورد الفساد و الهلكة و لأقر الناس في مستقر أمن و راحة و سعادة.
و لنعد إلى ما كنا فيه من البحث فنقول: الإسلام وضع أمر الازدواج فيما ذكرناه موضعه الطبيعي فأحل النكاح و حرم الزنا و السفاح، و وضع علقة الزوجية على أساس جواز المفارقة و هو الطلاق، و وضع هذه العلقة على أساس الاختصاص في الجملة على ما

