تفسير الميزان ج٤
172«البقرة: ٢٣٣» فالمراد بالرزق هو الغذاء الذي يغتذي به الإنسان و الكسوة ما يلبسه مما يقيه الحر و البرد (غير أن لفظ الرزق و الكسوة في عرف القرآن كالكسوة و النفقة في لساننا) كالكناية يكنى بها عن مجموع ما ترتفع به حوائج الإنسان المادية الحيوية فيدخل فيه سائر ما يحتاج إليه الإنسان كالمسكن و نحوه كما أن الأكل ذو معنى خاص بحسب أصله ثم يكنى به عن مطلق التصرفات كقوله: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً} (الآية).
و أما قوله: {وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً} فإنما هو كلمة أخلاقية يصلح بها أمر الولاية فإن هؤلاء و إن كانوا سفهاء محجورين عن التصرف في أموالهم غير أنهم ليسوا حيوانا أعجم و لا من الأنعام السائمة بل بشر يجب أن يعامل معهم معاملة الإنسان فيكلموا بما يكلم به الإنسان لا بالمنكر من القول و يعاشروا بما يعاشر به الإنسان.
و من هنا يظهر أن من الممكن أن يكون قوله: {وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً}. كناية عن المعاملة الحسنة و المعاشرة الممدوحة غير المذمومة كما في قوله تعالى: {وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}: «البقرة: ٨٣».
قوله تعالى: {وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتَامىَ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا اَلنِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ} إلى قوله: {أَمْوَالَهُمْ} الابتلاء الامتحان و المراد من بلوغ النكاح بلوغ أوانه ففيه مجاز عقلي و الإيناس المشاهدة و فيه شوب من معنى الألفة فإن مادته الأنس، و الرشد خلاف الغي و هو الاهتداء إلى مقاصد الحياة، و دفع مال اليتيم إليه كناية عن إعطائه إياه و إقباضه له كأن الولي يدفعه إليه و يبعده من نفسه فهو على ابتذاله كناية لطيفة.
و قوله: {حَتَّى إِذَا بَلَغُوا اَلنِّكَاحَ}، متعلق بقوله: {وَ اِبْتَلُوا}، ففيه دلالة ما على الاستمرار بأن يشرع الولي في ابتلائه من أول ما يأخذ في التمييز و يصلح للابتلاء حتى ينتهي إلى أوان النكاح و يبلغ مبلغ الرجال، و من طبع هذا الحكم ذلك فإن إيناس الرشد لا يحصل بابتلاء الصبي في واقعة أو واقعتين بل يجب تكراره إلى أن يحصل الإيناس و يتمشى بالطبع في مدة مديدة حتى يبلغ الرهاق ثم النكاح.
و قوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ} إلخ تفريع على قوله: {وَ اِبْتَلُوا} و المعنى: و امتحنوهم فإن آنستم منهم الرشد فادفعوا إليهم أموالهم و الكلام يؤذن بأن بلوغ النكاح بمنزلة المقتضي لدفع

