تفسير الميزان ج٤
170باختلاف الأغراض و المقاصد فقيل سفيه لخفيف الرأي في الأمور الدنيوية و سفيه للفاسق غير المبالي في أمر دينه و هكذا.
و ظاهر ما يتراءى من الآية أنه نهي عن الإكثار في الإنفاق على السفهاء و إعطائهم من المال أزيد من حاجاتهم الضرورية في الارتزاق، غير أن وقوع الآية في سياق الكلام في أموال اليتامى التي يتولى أمر إدارتها و إنمائها الأولياء قرينة معينة على كون المراد بالسفهاء هم السفهاء من اليتامى، و أن المراد بقوله: {أَمْوَالَكُمُ}، في الحقيقة أموالهم أضيف إلى الأولياء بنوع من العناية كما يشهد به أيضا قوله بعد: {وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَ اُكْسُوهُمْ}، و إن كان و لا بد من دلالة الآية على أمر سائر السفهاء غير اليتامى، فالمراد بالسفهاء ما يعم اليتيم و غير اليتيم لكن الأول أرجح.
و كيف كان فلو كان المراد بالسفهاء سفهاء اليتامى، فالمراد بقوله: {أَمْوَالَكُمُ}، أموال اليتامى و إنما أضيفت إلى الأولياء المخاطبين بعناية أن مجموع المال و الثروة الموجودة في الدنيا لمجموع أهلها و إنما اختص بعض أفراد المجتمع ببعض منه و آخر بآخر للصلاح العام الذي يبتني عليه أصل الملك و الاختصاص فيجب أن يتحقق الناس بهذه الحقيقة و يعلموا أنهم مجتمع واحد و المال كله لمجتمعهم، و على كل واحد منهم أن يكلأه و يتحفظ به و لا يدعه يضيع بتبذير نفوس سفيهة، و تدبير كل من لا يحسن التدبير كالصغير و المجنون، و هذا من حيث الإضافة كقوله تعالى: {وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَنَاتِ اَلْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ}: «النساء: ٢٥»، و من المعلوم أن المراد بالفتيات ليس الإماء اللاتي يملكها من يريد النكاح.
ففي الآية دلالة على حكم عام موجه إلى المجتمع و هو أن المجتمع ذو شخصية واحدة له كل المال الذي أقام الله به صلبه و جعله له معاشا فيلزم على المجتمع أن يدبره و يصلحه و يعرضه معرض النماء و يرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا و يحفظه عن الضيعة و الفساد، و من فروع هذا الأصل أنه يجب على الأولياء أن يتولوا أمر السفهاء فلا يؤتوهم أموالهم فيضيعوها بوضعها في غير ما ينبغي أن توضع فيه بل عليهم أن يحبسوها عنهم و يصلحوا شأنها، و ينموها بالكسب و الاتجار و الاسترباح و يرزقوا أولئك السفهاء من فوائدها و نمائها دون أصلها حتى لا ينفد رويدا رويدا و ينتهي إلى مسكنة صاحب المال و شقوته.

