تفسير الميزان ج۳
334لكن الظاهر من قوله: {قُلْ آمنّا بِاللّهِ و ما أُنْزِل عليْنا و ما أُنْزِل على إِبْراهِيم} إلخ، رجوعه إلى ما أوتوا من كتاب و حكمة، و رجوع الضمير الثاني إلى الرسول، و المعنى لتؤمنن بما آتيتكم من كتاب و حكمة و لتنصرن الرسول الذي جاءكم مصدقا لما معكم.
قوله تعالى: {قال أ أقْررْتُمْ و أخذْتُمْ على ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أقْررْنا}، الاستفهام للتقرير، و الإقرار معروف، و الإصر هو العهد، و هو مفعول أخذتم، و أخذ العهد يستلزم مأخوذا منه غير الأخذ و ليس إلا أمم الأنبياء، فالمعنى أ أقررتم أنتم بالميثاق، و أخذتم على ذلكم عهدي من أممكم قالوا: أقررنا.
و قيل: المراد بأخذ العهد قبول الأنبياء ذلك لأنفسهم فيكون قوله: {و أخذْتُمْ على ذلِكُمْ إِصْرِي} عطف بيان لقوله {أقْررْتُمْ}، و يؤيده قوله: {قالُوا أقْررْنا} من غير أن يذكر الأخذ في الجواب، و على هذا يكون الميثاقلا يتعدى الأنبياء إلى غيرهم من الأمم و يبعده قوله: {قال فاشْهدُوا}، لظهور الشهادة في أنها على الغير، و كذا قوله بعد: {قُلْ آمنّا بِاللّهِ} إلخ من غير أن يقول: قل آمنت فإن ظاهره أنه إيمان من رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) من قبل نفسه و أمته إلا أن يقال: إن اشتراك الأمم مع الأنبياء إنما يستفاد من هاتين الجملتين: أعني قوله: {فاشْهدُوا}، و قوله: {قُلْ آمنّا بِاللّهِ}، من غير أن يفيد قوله: {و أخذْتُمْ}، في ذلك شيئا.
قوله تعالى: {قال فاشْهدُوا و أنا معكُمْ مِن الشّاهِدِين}، ظاهر الشهادة كما مر أن يكون على الغير فهي شهادة من الأنبياء و أممهم جميعا، و يشهد لذلك كما مر قوله: {قُلْ آمنّا بِاللّهِ}، و يشهد لذلك السياق أيضا، فإن الآيات مسوقة للاحتجاج على أهل الكتاب في تركهم إجابة دعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم) كما أنها تحتج عليهم في ما نسبوه إلى عيسى و موسى (عليه السلام)و غيرهما كما يدل عليه قوله تعالى: {أ فغيْر دِينِ اللّهِ يبْغُون}، و غيره.
و ربما يقال: إن المراد بقوله: {فاشْهدُوا}، شهادة بعض الأنبياء على بعض كما ربما يقال: إن المخاطبين بقوله: {فاشْهدُوا}، هم الملائكة دون الأنبياء.
و المعنيان و إن كانا جائزين في نفسهما غير أن اللفظ غير ظاهر في شيء منهما بغير قرينة، و قد عرفت أن القرينة على الخلاف.
و من اللطائف الواقعة في الآية أن الميثاق مأخوذ من النبيين للرسل على ما يعطيه

