تفسير الميزان ج۳
333على الإيمان و النصرة لغيرهم من النبيين الذين يدعون إلى توحيد الله سبحانه، فالأنسب أن يبدأ بذكر الميثاق من حيث أخذه من النبيين.
و قوله: {لما آتيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ و حِكْمةٍ} القراءة المشهورة، و هي قراءة غير حمزة بفتح اللام و التخفيف في {لما} و عليها فما موصولة و آتيتكم، و قرأ آتيناكم صلته، و الضمير محذوف، يدل عليه قوله: {مِنْ كِتابٍ و حِكْمةٍ}، و الموصول مبتدأ خبره قوله: {لتُؤْمِنُنّ بِهِ} إلخ و اللام في لما ابتدائية، و في لتؤمنن به لام القسم، و المجموع بيان للميثاق المأخوذ، و المعنى: للذي آتيتكموه من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم آمنتم به و نصرتموه البتة.
و يمكن أن يكون ما شرطية و جزاؤها قوله لتؤمنن به، و المعنى مهما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه، و هذا أحسن لأن دخول اللام المحذوف قسمها في الجزاء أشهر، و المعنى عليه أسلس و أوضح، و الشرط في موارد المواثيق أعرف، و أما قراءة كسر اللام في لما فاللام فيها للتعليل و ما موصولة، و الترجيح لقراءة الفتح.
و الخطاب في قوله: {آتيْتُكُمْ}، و قوله: {جاءكُمْ}، و إن كان بحسب النظر البدوي للنبيين لكن قوله بعد: {أ أقْررْتُمْ و أخذْتُمْ على ذلِكُمْ إِصْرِي}، قرينة على أن الخطاب للنبيين و أممهم جميعا أي أن الخطاب مختص بهم و حكمه شامل لهم و لأممهم جميعا فعلى الأمم أن يؤمنوا و ينصروا كما على النبيين أن يؤمنوا و ينصروا.
و ظاهر قوله: {ثُمّ جاءكُمْ رسُولٌ مُصدِّقٌ لِما معكُمْ}، التراخي الزماني أي إن على النبي السابق أن يؤمن و ينصر النبي اللاحق، و أما ما يظهر من قوله: {قُلْ آمنّا بِاللّهِ} إلخ أن الميثاق مأخوذ من كل من السابق و اللاحق للآخر، و أن على اللاحق أن يؤمن و ينصر السابق كالعكس فإنما هو أمر يشعر به فحوى الخطاب دون لفظ الآية كما سيجيء إن شاء الله العزيز.
و قوله: {لتُؤْمِنُنّ بِهِ و لتنْصُرُنّهُ}، الضمير الأول و إن كان من الجائز أن يرجع إلى الرسول كالضمير الثاني إذ لا ضير في إيمان نبي لنبي آخر، قال تعالى: {آمن الرّسُولُ بِما أُنْزِل إِليْهِ مِنْ ربِّهِ و الْمُؤْمِنُون كُلٌّ آمن بِاللّهِ و ملائِكتِهِ و كُتُبِهِ و رُسُلِهِ} (الآية) البقرة - ٢٨٥،

