تفسير الميزان ج۳
332و الدين يحرفون الكلم عن مواضعه، و يستغشون بتلبيس الأمر على الناس و التفرقة بين النبيين و إنكار آيات نبوة رسول الله ص، و نفي أن يكون نبي من الأنبياء كموسى و عيسى (عليه السلام)يأمرهم باتخاذ نفسه أو غيره من النبيين و الملائكة أربابا على ما هو صريح قول النصارى، و ظاهر قول اليهود.
شدد النكير عليهم في ذلك بأنه كيف يتأتى ذلك و قد أخذ الله الميثاق من النبيين أن يؤمنوا بكل نبي يأتيهم ممن تقدمهم أو تأخر عنهم و ينصروه، و ذلك بتصديق كل منهم لمن تقدم عليه من الأنبياء، و تبشيره بمن تأخر عنه كتصديق عيسى (عليه السلام)لموسى و شريعته، و تبشيره بمحمد (صلى الله عليه وآله و سلم) و كذا أخذه تعالى الميثاق منهم أن يأخذوا العهد على ذلك من أممهم و أشهدهم عليهم، و بين أن هذا هو الإسلام الذي شمل حكمه من في السماوات و الأرض.
ثم أمر نبيه أن يجري على هذا الميثاق جري قبول و طاعة فيؤمن بالله و بجميع ما أنزله على أنبيائه من غير تفرقة بينهم، و أن يسلم لله سبحانه، و أن يأتي بذلك عن نفسه و عن أمته، و هو معنى أخذ الميثاق منه بلا واسطة و من أمته بواسطته كما سيجيء بيانه.
قوله تعالى: {و إِذْ أخذ اللّهُ مِيثاق النّبِيِّين لما آتيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ و حِكْمةٍ ثُمّ جاءكُمْ رسُولٌ مُصدِّقٌ لِما معكُمْ لتُؤْمِنُنّ بِهِ و لتنْصُرُنّهُ}، الآية تنبئ عن ميثاق مأخوذ، و قد أخذ الله هذا الميثاق للنبيين كما يدل عليه قوله تعالى: {ثُمّ جاءكُمْ رسُولٌ} إلخ كما أنه تعالى أخذه من النبيين على ما يدل عليه قوله: {أ أقْررْتُمْ و أخذْتُمْ على ذلِكُمْ إِصْرِي} إلخ، و قوله بعد: {قُلْ آمنّا بِاللّهِ} إلى آخر الآية فالميثاق ميثاق مأخوذ للنبيين و مأخوذ منهم و إن كان مأخوذا من غيرهم أيضا بواسطتهم.
و على هذا فمن الجائز أن يراد بقوله تعالى: {مِيثاق النّبِيِّين} الميثاق المأخوذ منهم أو المأخوذ لهم و الميثاق واحد، و بعبارة أخرى يجوز أن يراد بالنبيين، المأخوذ لهم الميثاق و المأخوذ منهم الميثاق إلا أن سياق قوله تعالى: {ما كان لِبشرٍ أنْ يُؤْتِيهُ اللّهُ} إلى آخر الآيتين في اتصاله بهذه الآية يؤيد كون المراد بالنبيين هم الذين أخذ منهم الميثاق فإن وحدة السياق تعطي أن المراد: أن النبيين بعد ما آتاهم الله الكتاب و الحكم و النبوة لا يتأتى لهم أن يدعوا إلى الشريك و كيف يتأتى لهم ذلك؟ و قد أخذ منهم الميثاق

