تفسير الميزان ج۳
323و القياصرة كل العناية، و لا يقصدونهم بالأذى و السياسة و الطرد.
فلم يزالوا يزيدون عددا من غير تظاهر و تنافس و ينمون قوة و شدة حتى حصل لهم جم غفير في إمبراطورية الروم و إفريقية و الهند و غيرها من البلاد، و لم يزالوا كلما بنوا كنيسة و فتحوا بابها على وجوه الناس هدموا بذلك واحدا من بيوت الأوثان أغلقوا بابه.
و كانوا لا يعتنون بمزاحمة رؤساء الوثنية في هدم أساسهم، و لا بملوك الوقت و حكامه في التعالي عن خضوعهم و في مخالفة أحكامهم و دساتيرهم، و ربما كان ذلك يؤديهم إلى الهلاك و القتل و الحبس و العذاب فكان لا تزال تقتل طائفة و تسجن أخرى و تشرد ثالثة.
و كان الأمر على هذه الصفة إلى أوان ملك القيصر كنستانتين» فآمن بالملة المسيحية و أعلن بها فأخذ التنصر بالرسمية و بنيت الكنائس في الروم و ما يتبع إمبراطوريته من الممالك، و ذلك في النصف الأخير من القرن الرابع الميلادي.
تمركزت النصرانية يومئذ في كنيسة الروم و أخذت تبعث القسيسين إلى أكناف الأرض من البلاد التابعة يبنون الكنائس و الديرات و مدارس يدرسون بها التعليم الإنجيلي.
و الذي يجب إلفات النظر إليه أنهم وضعوا البحث على أصول مسلمة إنجيلية فأخذوا التعاليم الإنجيلية كمسألة الأب و الابن و الروح، و مسألة الصلب و الفداء و غير ذلك أصولا مسلمة و بنوا البحث و التنقير عليها.
و هذا أول ما ورد على أبحاثهم الدينية من الوهن و الوهاء فإن استحكام البناء المبني و إن بلغ ما بلغ و استقامته لا يغني عن وهن الأساس المبني عليه شيئا، و ما بنوا عليه من مسألة تثليث الوحدة و الصلب و الفداء أمر غير معقول.
و قد اعترف عدة من باحثيهم في التثليث بأنه أمر غير معقول لكنهم اعتذروا عنه بأنه من المسائل الدينية التي يجب أن تقبل تعبدا فكم في الأديان من مسألة تعبدية تحيلها العقول.
و هو من الظنون الفاسدة المتفرعة على أصلهم الفاسد، و كيف يتصور وقوع مسألة مستحيلة في دين حق؟ و نحن إنما نقبل الدين و نميز كونه دين حق بالعقل و كيف يمكن

