تفسير الميزان ج۳
306على أن الوثنية من الروم و يونان و مصر و سورية و الهند كانوا أقرب إلى أهل الكتاب القاطنين بفلسطين و حواليه، و انتقال العقائد و المزاعم الدينية إليهم منهم أسهل، و الأسباب بذلك أوفق.
فليس المراد بالذين كفروا الذين ضاهاهم أهل الكتاب في القول بالبنوة إلا قدماء وثنية الهند و الصين و وثنية الغرب من الروم و يونان و شمال إفريقا كما أن التاريخ يحكي عنهم نظائر هذه المزاعم الموجودة في أهل الكتاب من اليهود و النصارى من البنوة و الأبوة و التثليث و حديث الصلب و الفداء و غير ذلك، و هذا من الحقائق التاريخية التي ينبه عليها القرآن الشريف.
و نظير الآيات السابقة في الدلالة على هذه الحقيقة قوله تعالى: {قُلْ يا أهْل الْكِتابِ لا تغْلُوا فِي دِينِكُمْ غيْر الْحقِّ و لا تتّبِعُوا أهْواء قوْمٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبْلُ و أضلُّوا كثِيراً و ضلُّوا عنْ سواءِ السّبِيلِ} المائدة - ٧٧، فإن الآية تبين أن غلوهم في الدين بغير الحق إنما طرأ عليهم بالتقليد و اتباع أهواء قوم ضالين من قبلهم.
و ليس المراد بهؤلاء القوم أحبارهم و رهبانهم، فإن الكلام مطلق غير مقيد و لم يقل: قوم منكم، و أضلوا كثيرا منكم، و ليس المراد بهم عرب الجاهلية كما تقدم، على أنه وصف هؤلاء القوم بأنهم أضلوا كثيرا أي كانوا أئمة ضلال مقلدين متبعين (بصيغة المفعول فيهما) و لم يكن العرب يومئذ إلا شرذمة مضطهدين أميين ليس عندهم من العلم و الحضارة و التقدم ما يتبعهم به و فيه غيرهم من الأمم كفارس و الروم و الهند و غيرهم.
فليس المراد بهؤلاء القوم المذكورين إلا وثنية الصين و الهند و الغرب كما تقدم.
٧ - ما هو الكتاب الذي ينتسب إليه أهل الكتاب و كيف هو؟
الرواية و إن عدت المجوس من أهل الكتاب، و لازم ذلك أن يكون لهم كتاب خاص أو ينتموا إلى واحد من الكتب التي يذكرها القرآن ككتاب، نوح و صحف إبراهيم، و توراة موسى، و إنجيل عيسى، و زبور داود، لكن القرآن لا يذكر شأنهم، و لا يذكر كتابا لهم، و الذي عندهم من أوستا لا ذكر منه فيه، و ليس عندهم من سائر الكتب اسم.

