تفسير الميزان ج۳
303جديا فاصلا من غير هزل و لا خوف و لا رجاء، ثم إنه يجزي كل ذي عمل بعمله، إن خيرا فخير و إن شرا فشر من غير أن يغلبه تعالى غالب، أو يحكم عليه حاكم من شريك أو فدية أو خلة أو شفاعة من دون إذنه فكل ذلك ينافي ملكه المطلق لما سواه من خلقه.
و عاشرا: ما ذكروه من حديث الفداء و حقيقة الفداء أن يلزم الإنسان أو ما يتعلق به من نفس أو مال أثر سيئ من قتل أو فناء فيعوض بغيره أي شيء كان ليصان بذلك من لحوق ذلك الأثر به كما يفدي الإنسان الأسير بنفس أو مال و كما تفدي الجرائم و الجنايات بالأموال و يسمى البدل فدية و فداء، فالتفدية نوع معاملة ينتزع بها حق صاحب الحق و سلطنته عن المفدي عنه إلى الفداء فيستنقذ به المفدي عنه من أن يلحق به الشر.
و من هنا يظهر أن الفداء غير معقول في ما يتعلق بالله سبحانه فإن السلطنة الإلهية - على خلاف السلطنة الوضعية الاعتبارية الإنسانية - سلطنة حقيقية واقعية غير جائزة التبديل مستحيلة الصرف، فالأشياء بأعيانها و آثارها موجودة قائمة بالله سبحانه و كيف يتصور تغيير الواقع عما هو عليه فليس إلا أمرا لا يمكن تعقله فضلا عن أن يمكن وقوعه و هذا بخلاف الملك و السلطنة و الحق و أمثالها الدائرة بيننا معاشر أبناء الاجتماع فإنها و أمثالها أمور وضعية اعتبارية زمامها بأيدينا، نحن المجتمعين نبطلها مرة، و نبدلها أخرى على حسب تغير مصالحنا في الحيوة و المعاش (راجع ما تقدم من البحث في تفسير قوله تعالى: {مالِكِ يوْمِ الدِّينِ} الحمد - ٤، و قوله تعالى: {قُلِ اللّهُمّ مالِك الْمُلْكِ} (الآية) آل عمران - ٢٦.
و قد نفى الله سبحانه الفدية بالخصوص في قوله: {فالْيوْم لا يُؤْخذُ مِنْكُمْ فِدْيةٌ و لا مِن الّذِين كفرُوا مأْواكُمُ النّارُ} الحديد - ١٥، و قد تقدم فيما مر أن من هذا القبيل قول المسيح فيما يحكيه الله تعالى عنه: {و إِذْ قال اللّهُ يا عِيسى اِبْن مرْيم أ أنْت قُلْت لِلنّاسِ اِتّخِذُونِي و أُمِّي إِلهيْنِ مِنْ دُونِ اللّهِ قال سُبْحانك ما يكُونُ لِي أنْ أقُول ما ليْس لِي بِحقٍّ} إلى أن قال: {ما قُلْتُ لهُمْ إِلاّ ما أمرْتنِي بِهِ أنِ اُعْبُدُوا اللّه ربِّي و ربّكُمْ و كُنْتُ عليْهِمْ شهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فلمّا توفّيْتنِي كُنْت أنْت الرّقِيب عليْهِمْ و أنْت على كُلِّ شيْءٍ شهِيدٌ إِنْ تُعذِّبْهُمْ فإِنّهُمْ عِبادُك و إِنْ تغْفِرْ لهُمْ فإِنّك أنْت الْعزِيزُ الْحكِيمُ} المائدة - ١١٨

