تفسير الميزان ج۳
302فإنما هي بشارة بالخلاص و ليست بدعوة إلى الإيمان و التدين به. و ثانيا: إن ذلك لا يدفع محذور لغوية الدعوة في فروع الدين من الأخلاق و الأفعال حتى من المسيح نفسه، و الأناجيل مملوءة بذلك. و ثالثا: إن محذور الخطيئة و انتقاض الغرض الإلهي باق على حاله فإن الله تعالى إنما خلقهم ليرحم جميعهم و يبسط النعمة و السعادة على كافتهم و قد آل أمره إلى عقابهم و الغضب عليهم و إهلاكهم للأبد إلا شرذمة منهم.
فهذه نبذة من وجوه فساده عند العقل، و يؤيده و يجري عليه القرآن الكريم، قال تعالى: {الّذِي أعْطى كُلّ شيْءٍ خلْقهُ ثُمّ هدى} طه - ٥٠، فبين أن كل شيء مهدي إلى غايته و ما يبتغيه بوجوده، و الهداية تعم التكوينية و التشريعية فالسنة الإلهية جارية على بسط الهداية، و منها هداية الإنسان هداية دينية.
ثم قال تعالى و هو أول هداية دينية ألقاها إلى آدم و من معه حين إهباطهم من الجنة: {قُلْنا اِهْبِطُوا مِنْها جمِيعاً فإِمّا يأْتِينّكُمْ مِنِّي هُدىً فمنْ تبِع هُداي فلا خوْفٌ عليْهِمْ و لا هُمْ يحْزنُون و الّذِين كفرُوا و كذّبُوا بِآياتِنا أُولئِك أصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُون} البقرة - ٣٩، و ما يشتمل عليه بمنزلة التلخيص لتفاصيل الشرائع إلى يوم القيامة ففيه تشريع و وعد و وعيد عليه من غير تردد و ارتياب، و قد قال تعالى: {الْحقّ أقُولُ} ص - ٨٤، و قال تعالى: {ما يُبدّلُ الْقوْلُ لديّ و ما أنا بِظلاّمٍ لِلْعبِيدِ} ق - ٢٩، فبين أنه لا يتردد فيما جزم به من الأمر و لا ينقض ما أنفذه من الأمر فما يقضيه، هو الذي يمضيه، و إنما يفعل ما قاله، فلا ينحرف فعله عن المجرى الذي أراد عليه لا من جهة نفسه بأن يريد شيئا ثم يتردد في فعله، أو يريده ثم يبدو له فلا يفعله و لا جهة غيره بأن يريد شيئا و يقطع به و يعزم عليه ثم يمنعه مانع من العقل أو يبدو إشكال يعترض عليه في طريق الفعل فكل ذلك من قهر القاهر، و غلبة المانع الخارجي قال تعالى: {و اللّهُ غالِبٌ على أمْرِهِ} يوسف - ٢١، و قال تعالى: {إِنّ اللّه بالِغُ أمْرِهِ} الطلاق - ٣، و قال تعالى حكاية عن موسى: {قال عِلْمُها عِنْد ربِّي فِي كِتابٍ لا يضِلُّ ربِّي و لا ينْسى} طه - ٥٢، و قال تعالى: {الْيوْم تُجْزى كُلُّ نفْسٍ بِما كسبتْ لا ظُلْم الْيوْم إِنّ اللّه سرِيعُ الْحِسابِ} المؤمن - ١٧.
تدل هذه الآيات و ما يشابهها على أنه تعالى إنما خلق الخلق و لم يغفل عن أمره، و لم يجهل شيئا مما سيظهر منه و لم يندم على ما فعله، ثم شرع لهم الشرائع تشريعا

