تفسير الميزان ج۳
297و عدم انطباق القول المذكور على القضايا الضرورية العقلية هو السر فيما يذكره بولس و غيره من رؤسائهم القديسين من تقبيح الفلسفة و الإزراء بالأحكام العقلية، يقول بولس: قد كتب لأهلكن حكمة الحكماء و لأخالفن فهم الفقهاء أين الحكيم أين الكاتب أين مستفحص هذا الدهر بتعمق؟ أ و ليس قد حمق الله حكمة هذا العالم - إلى أن قال -: و إذ اليهود يسألون آية و اليونانيون يطلبون حكمة نكرز۱ نحن بالمسيح مصلوب» رسالة بولس - الإصحاح الأول، و نظائر هذه الكلمات كثيرة في كلامه و كلام غيره و ليست إلا لسياسة النشر و الإذاعة و التبليغ و العظة، يوقن بذلك من أرعى نظره في هذه الرسائل و الكتب و تعمق في طريق تكليمها الناس و إلقاء بياناتها إليهم.
و من ما مر يظهر ما في قولهم: إنه تعالى معصوم من الذنوب و الخطايا فإن الإله الذي صوروه غير مصون عن الخطإ أصلا بمعنى الغلط في الإدراك و الغلط في الفعل من غير أن ينتهي إلى مخالفة من يجب موافقته.
و أما الذنب و المعصية بمعنى التمرد فيما يجب فيه الطاعة و الانقياد فهو غير متصور في حقه تعالى فالعصمة أيضا غير متصورة في حقه سبحانه.
و سابعا: قولهم: إنه بعد أن صار إنسانا عاشر الناس معاشرة الإنسان للإنسان حق تسخر لأعدائه فيه تجويز اتصاف الواجب بحقيقة من حقائق الممكنات حتى يكون إلها و إنسانا في عرض واحد، فكان من الجائز أن يصير الواجب شيئا من مخلوقاته أي يتصف بحقيقة كل نوع من هذه الأنواع الخارجية، فتارة يكون إنسانا من الأناسي، و تارة فرسا، و تارة طائرا، و تارة حشرة، و تارة غير ذلك، و تارة يكون أزيد من نوع واحد من الأنواع كالإنسان و الفرس و الحشرة معا.
و هكذا يجوز أن يصدر عنه أي فعل فرض من أفعال الموجودات لجواز أن يصير هو ذلك النوع فيفعل فعله المختص به، و كذا يجوز أن يصدر عنه أفعال متقابلة معا كالعدل و الظلم، و أن يتصف بصفات متقابلة كالعلم و الجهل، و القدرة و العجز، و الحياة و الموت و الغنى و الفقر، تعالى الملك الحق، و هذا غير المحذور المتقدم في الأمر السادس.
- كرز كرزا، وعظ و نادى.

