تفسير الميزان ج۳
294المنقول منهم لا يخلو عنه، و بالجملة دعوى كون ذنب من الذنوب أو خطيئة من الخطايا لازمة غير قابلة في نفسه للمغفرة و الإمحاء حتى بالتوبة و الإنابة و الرجوع و الندم مما لا يقبله عقل سليم و لا طبع مستقيم.
و ثالثا: أن قولهم: إن خطيئة آدم كما لزمته كذلك لزمت ذريته إلى يوم القيامة يستلزم أن يشمل تبعة الذنب الصادر من واحد غيره أيضا ممن لم يذنب في المعاصي المولوية. و بعبارة أخرى أن يصدر فعل عن واحد و يعم عصيانه و تبعته غير فاعله كما يشمل فاعله، و هذا غير أن يأتي قوم بالمعصية و يرضى به آخرون من أخلافهم فتحسب المعصية على الجميع و بالجملة هو تحمل الوزر من غير صدور الذنب و القرآن يرد ذلك كما في قوله: {ألاّ تزِرُ وازِرةٌ وِزْر أُخْرى و أنْ ليْس لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سعى} النجم - ٣٩، و العقل يساعده عليه لقبح مؤاخذة من لم يذنب بذنب لم يصدر عنه. راجع أبحاث الأفعال في تفسير آية ٢١٦-٢١٨ من سورة البقرة.
و رابعا: أن كلامهم مبني على كون تبعة جميع الخطايا و الذنوب هو الهلاك الأبدي من غير فرق بينها، و لازمه أن لا يختلف الخطايا و الذنوب من حيث الصغر و الكبر بل يكون جميعها كبائر موبقات، و الذي يراه القرآن الكريم في تعليمه أن الخطايا و المعاصي مختلفة فمنها كبائر، و منها صغائر، و منها ما تناله المغفرة، و منها مالا تناله إلا بالتوبة كالشرك، قال تعالى: {إِنْ تجْتنِبُوا كبائِر ما تُنْهوْن عنْهُ نُكفِّرْ عنْكُمْ سيِّئاتِكُمْ} النساء - ٣١، و قال تعالى: {إِنّ اللّه لا يغْفِرُ أنْ يُشْرك بِهِ و يغْفِرُ ما دُون ذلِك لِمنْ يشاءُ} النساء - ٤٨، فجعل تعالى من المحرمات المنهي عنها و هي الخطايا و الذنوب ما هي كبائر، و ما هي سيئات أي صغائر بقرينة المقابلة، و جعل تعالى من الذنوب ما لا يقبل المغفرة، و منها ما يقبلها فالذنوب على أي حال مختلفة، و ليس كل ذنب بموجب للخلود في النار و الهلاك الأبدي.
على أن العقل يأبى عن نضد جميع الذنوب و نظمها في سلك واحد فاللطم غير القتل و النظر المريب غير الزنا، و هكذا، و العقلاء من الإنسان في جميع الأدوار لم يضعوا كل ذنب و خطإ موضع غيره، و يرون للمعاصي المختلفة تبعات و مؤاخذات مختلفة فكيف يصح إجراء الجميع مجرى واحدا مع هذا الاختلاف الفاحش بينها، و إذا فرض اختلافها لم يصح إلا جعل العقاب الخالد و الهلاك الأبدي لبعضها كالشرك بالله،

