تفسير الميزان ج۳
293في أمره لا إعمال المولوية و الأمر الذي هو من هذا القبيل لا يترتب على امتثاله و لا تركه ثواب و لا عقاب مولوي كأوامر المشير و نواهيه لمن يستشيره، و أوامر الطبيب و نواهيه للمريض بل إنما يترتب على امتثال التكليف الإرشادي الرشد المنظور لمصلحة المكلف، و على مخالفته الوقوع في مفسدة المخالفة و ضرر الفعل بما أنه فعل، و بالجملة لم يلحق بآدم (عليه السلام)إلا أنه أخرج من الجنة و فاته راحة القرب و سرور الرضا، و أما العقاب الأخروي فلا لأنه لم يعص معصية مولوية حتى يستتبع عقابا، راجع تفسير الآيات ٣٥-٣٩، من سورة البقرة.
و الثانية: أنه (عليه السلام)كان نبيا و القرآن ينزه ساحة الأنبياء (عليه السلام)و يبرئ نفوسهم الشريفة عن اقتراف المعاصي و الفسق عن أمر الله سبحانه، و البرهان العقلي أيضا يؤيد ذلك، راجع ما ذكرناه في البحث عن عصمة الأنبياء في تفسير الآية ٢١٣ من سورة البقرة.
و ثانيا: قولهم: إن الخطيئة لزمت آدم فإن القرآن يدفعه بقوله: {ثُمّ اِجْتباهُ ربُّهُ فتاب عليْهِ و هدى} طه - ١٢٢، و قوله: {فتلقّى آدمُ مِنْ ربِّهِ كلِماتٍ فتاب عليْهِ إِنّهُ هُو التّوّابُ الرّحِيمُ} البقرة - ٣٧.
و الاعتبار العقلي يؤيد ذلك بل يبينه فإن الخطيئة و تبعة الذنب إنما هو أمر محذور مخوف منه يعتبره العقل أو المولى لازما للمخالفة و التمرد ليستحكم بذلك أمر التكليف فلو لا العقاب و الثواب لم يستقم أمر المولوية و لم يمتثل أمر و لا نهي و كما أن من شئون المولوية بسط العقاب على المجرمين في جرائمهم كالثواب على المطيعين في طاعاتهم كذلك من شئون المولوية إطلاق التصرف في دائرة مولويته فللمولى أن يغمض عن خطيئة المخطئين و معصية العاصين بالعفو و المغفرة فإنه نوع تصرف و حكومة كما أن له أن يؤاخذ بها و هي نوع حكومة، و حسن العفو و المغفرة عن الموالي و أولي القوة و السطوة في الجملة مما لا ريب فيه، و العقلاء من الإنسان يستعملونه إلى هذا الحين فكون كل خطيئة صادرة من الإنسان لازمة للإنسان مما لا وجه له البتة و إلا لم يكن لأصل العفو و المغفرة تحقق لأن المغفرة و العفو إنما يكون لإمحاء الخطيئة و إبطال أثر الذنب، و مع فرض أن الخطيئة لازمة غير منفكة لا يبقى موضوع للعفو و المغفرة، مع أن الوحي الإلهي مملو بحديث العفو و المغفرة، و كتب العهدين كذلك حتى أن هذا الكلام

