تفسير الميزان ج۳
97{أ حسِب النّاسُ أنْ يُتْركُوا أنْيقُولُوا آمنّا و هُمْ لا يُفْتنُون و لقدْ فتنّا الّذِين مِنْ قبْلِهِمْ فليعْلمنّ اللّهُ الّذِين صدقُوا و ليعْلمنّ الْكاذِبِين أمْ حسِب الّذِين يعْملُون السّيِّئاتِ أنْ يسْبِقُونا ساء ما يحْكُمُون} العنكبوت - ٤، و على هذا الإذن يمكن أن يحمل قوله تعالى: {كذلِك زيّنّا لِكُلِّ أُمّةٍ عملهُمْ} الأنعام - ١٠٨، و إن أمكن أيضا أن يحمل على ما مر من معنى التزيين المنسوب إليه تعالى في قوله تعالى: {إِنّا جعلْنا ما على الْأرْضِ زِينةً لها لِنبْلُوهُمْ أيُّهُمْ أحْسنُ عملاً} الكهف - ٧.
و بالجملة التزيين تزيينان: تزيين للتوسل بالدنيا إلى الآخرة و ابتغاء مرضاته في مواقف الحياة المتنوعة بالأعمال المختلفة المتعلقة بالمال و الجاه و الأولاد و النفوس، و هو سلوك إلهي حسن، نسبه الله تعالى إلى نفسه كما مر من قوله: {إِنّا جعلْنا ما على الْأرْضِ زِينةً لها} الآيات، و كقوله تعالى: {قُلْ منْ حرّم زِينة اللّهِ الّتِي أخْرج لِعِبادِهِ و الطّيِّباتِ مِن الرِّزْقِ} الأعراف - ٣٢.
و تزيين لجلب القلوب و إيقافها على الزينة و إلهائها عن ذكر الله و هو تصرف شيطاني مذموم، نسبه الله سبحانه إلى الشيطان، و حذر عباده عنه كما مر من قوله تعالى: {و زيّن لهُمُ الشّيْطانُ ما كانُوا يعْملُون} (الآية) و قوله تعالى فيما يحكيه من قول الشيطان: {قال ربِّ بِما أغْويْتنِي لأُزيِّنن لهُمْ فِي الْأرْضِ و لأُغْوِينّهُمْ أجْمعِين} الحجر - ٣٩، و قوله تعالى: {زُيِّن لهُمْ سُوءُ أعْمالِهِمْ} التوبة - ٣٧، إلى غير ذلك من الآيات.
و هذا القسم ربما نسب إليه تعالى من حيث إن الشيطان و كل سبب من أسباب الخير أو الشر إنما يعمل ما يعمل و يتصرف في ملكه ما يتصرف بإذنه لينفذ ما أراده و شاءه، و ينتظم بذلك أمر الصنع و الإيجاد، و يفوز الفائزون بحسن إرادتهم و اختيارهم، و يمتاز المجرمون.
و بما مر من البيان يظهر أن المراد من فاعل التزيين المبهم في قوله: {زُيِّن لِلنّاسِ حُبُّ الشّهواتِ} إلخ ليس هو الله سبحانه فإن التزيين المذكور و إن كان له نسبة إليه تعالى سواء كان تزيينا صالحا لأن يدعو إلى عبادته تعالى و هو المنسوب إليه بالاستقامة أو تزيينا ملهيا عن ذكره تعالى و هو المنسوب إليه بالإذن، لكن لاشتمال الآية على ما

